قلاقل | هذا الوقت سوف يمضي ..

قلاقل: الحلقة الثانية

قلتُ ٦: احترتُ مرةً أخرى، هل استمر في سلسلة القلاقل على نهجي الشِرباكي فأسمّي كل ذات قلاقلٍ باسمٍ تنفردُ به، وأبرّر له؟ أم أتحجّج بأن المقالة الأولى استثناء، والأصل أنّ الاستثناء يُقدّرُ بقدرِه ولا يُقاسُ عليه؟ ثم انتهيت إلى التالي:

الأول: سأجعل السلسلة باسم قلاقل، لها حلقاتٌ مرقّمة.

الثاني: سأجعل لكلّ حلقةٍ خمس قلاقل، حتى تبلغ عشر قلاقلٍ ومئة، أو أزيد، أو أنقص، أو اكتفي بعشر، لا أعلم، المهم أنّني أُحسُّ بأن البيت التالي مناسب كخاتمة للسلسلة على طريقة الإلبيري:

“وقد أردفتها خمساً حساناً

وكانت قبل ذا مئةً وخمسا”

– أنا


قلتُ ٧: الغد الجميل الذي تخطط له أنت ورأسك قد لا يأتي غداً، ربما يأتي بعد غد، أو قد لا يأتي أبداً، وكذلك حاضرك الذي تقول أنه للنسيان؛ قد يكون ذروة ازدهارك، لذا لا تقلق كثيراً بشأن الغيبيات التي علمها عند ربي في كتاب، فهذا الوقت سوف يمضي، ومن لم يصنع سعادته بنفسه لن يصنعها له غيره.

“لا تَحرِصَنْ فَالحِرصُ لَيسَ بِزائِدٍ

في الرِزقِ بَل يَشقى الحَريصُ وَيَتعَبُ”

– ابن عبدالقدوس


قلتُ ٨:

حدّثني شيخانِ

في سالفِ الأزمانِ

عن صَيدِهم بُدنانِ

في أحد البلدانِ

فقُلت للشيخانِ

ما ذاكُمُ استحساني

الأبيات أعلاه على بحر المنسرح، منهوكاً موقوفاً، والبحر المنهوك هو البحر الذي نقص منه تفعيلتان من كل شطر، أمّا البحر الموقوف فهو البحر الذي تُكتب أبياته واقفة بعضها بعد بعض، لا على شطرين، والله أعلم.

وكان إمامنا الفراهيدي مؤسس علم العروض قد توقّع في القرن الهجري الثاني أن العرب سيكتبون الشعر يوماً ما على هذا البحر الغريب، رغم قصره وضعف الصور البلاغيه التي يمكن أن يحتويها، وقد انتقده المنتقدون على رأيه هذا سنين عددا، إلّا أن توقّعه كان في محلّه، حيث جاءت الدبكة الشامية -لاحقاً- لتُؤكد استحسان الناس لهذا البحر .. جرّب عزيزي القارئ أن تدندن الأبيات بلحن: “بسّك تجي حارتنا”:

حدّثني شيخانِ

^يا عيني^

في سالفِ الأزمانِ

^الله الله^

عن صَيدِهم بُدنانِ

^يا عيني^

في أحد البلدانِ

^الله الله^ .. إلى آخر الأبيات.

ارتفعت قيمة الأبيات أليس كذلك؟

“الشِعرُ ديوانُ العَرَبْ

أَبَداً وَعُنوانُ الأَدَبْ”

– أبو فراس الحمداني


قلتُ ٩: كان لي رئيسٌ رائع، رضي الله عنه، يُعفي لحيته، يجزّ شاربه، لا يلبس العقال، يرى نفسه فيني أيام شبابه، لا يبخل بعلمه، علّمني الأسماءَ كلّها، يحبّني في الله وأحبّه، كفل عنّي يتيماً، حفر لي بئراً، وقد كنتُ استودعه سرّي، وأجعل له مكانة الملائكة غلوّاً فيه، وهل أهلك الأقوام التي قبلنا غير الغلو في الصالحين؟ حتى أنّ المقرّبين منّي يعرفونه باسم: “رضي الله عنه” لا بكنيته، لكثرة ما أترضّى عنه، وشدَّة تثريبي على من يذكر اسمه دون أن يترضَّى عنه، وكان كثيراً ما ينصحني بضرورة تغيير عملي الذي كنتُ أعمله لقلّة العائد وضعف التقدير، إلّا أنّني كنتُ أخبره بأنّني سأتريّث إلى حين الفرصة المناسبة، مسوّغاً تريّثي بأن التقدير المعنوي والعدم عندي سواء، وأنَّ الرزقَ فضلٌ من الله؛ لا رادّ له.

بعد أشهر، وقد كان رضي الله عنه قد أصلح شاربه، وقصّ فضول لحيته، وارتدى عقالاً أسوداً، وأواصر محبتّنا في الله قد ازدادت تجذّراً؛ ذهبت إليه مهرولاً، ومبشراً إيّاه بأن الفرصة قد حانت، وحان معها الرحيل، ففرح لي وأشار عليّ بأن أفعل كذا وكذا أولاً، وفعلت.

في صباح اليوم التالي؛ اتّصل بي وقال: “ما شاء الله شرّفت؟” فضحكتُ بصوتٍ عالٍ وقلت له ممازحاً: “الحين جايك وترا باقي ثلاثة شهور لازم تتحملني”، دخلت مكتبه، وإذا بوجهه مكفهرّاً، وثمّة اجتماع منعقد في مايكروسوفت تيمز، يحضره ثلاثة من القائمة السوداء حسب تصنيفه، لم ينتبه إلى أنّني انتبهت، ثم كانت الصاعقة: انفجر رضي الله عنه في وجهي منتقداً سلوكي السيء وجودة عملي الضعيفة طوال فترة رئاسته لي -على حد زعمه-، والتي كان آخرها أنّني فعلت يوم أمسٍ كذا وكذا، فتركته حتى أفرغ ما ببطنه، إذ اعتقدت في البداية أنّها مسرحية، أو حكمة على طريقة الخضر عليه السلام وليس لي أن أسأل عنها حتى يُحدث لي من أمرها ذكرا، بل اتهمت رؤية الإبصار عندي، لكنّ الأمر كان حقيقياً، لم أجادله، وقلت له بعبارة فصيحة خرجت وحدها دون أمرٍ منّي: “أعتذر إليك إن كنتُ أسأتُ دون قصد، ووالله أن فضلك عندي محفوظ، أمّا ما شئت أن تصف به شؤون المهنة؛ فله عندي من المنزلة ما كان للكلام الذي كان يقوله مناوئي معاوية رضي الله عنه لمعاوية من المنزلة عند معاوية، دابر الأذن وأسفل القدم، ولا أثر لها على ما أخصّك به من مكانة وتقدير”، فانفضّت الجلسة.

حاولت بعدها -استثناءً على الأصل في تعاملي مع المدبرين- أن أسعى إليه لأُصلح ما بيننا، لفضله عليّ، إلّا أنّه استمر في كيده يعمه، فلا هو الذي عاد لرشده، ولا هو الذي اكتفى بما فعل، ثم سألت نفسي: طالما أن هذا الرجل الرائع علّمك الرماية، والآن قد اشتدّ ساعدك، لماذا لا ترميه؟ فرميته .. رضي الله عنه، لم أكن أتصوّر بأنَّ العقال الذي قرّر أن يرتديه لاحقاً أشدّ بياضا من قلبه.

“يَشقى رِجالٌ وَيَشقى آخرونَ بِهِم

وَيُسعِدُ اللَهَ أقواماً بِأَقوامِ”

– ابن عبدالقدوس


قلتُ ١٠: انتهى كلامي رحمني الله، وسأحكي لكم في الحلقة القادمة إن شاء الله حكاية الجحش المفوّه.

أضف تعليق