قلاقل | هذا الوقت سوف يمضي ..

قلاقل | S02E04

قلتُ ٤١: فضائل الله عليّ تترى، زُرافاتٍ ووحدانا، أتذكّر منها ذلك الإنجاز العظيم الذي حقّقته قبل سنوات؛ وقتما تمكّنت بفضل الله وتوفيقه من أن أقطع الجزيرة العربية على سيارتي من قلب نجد إلى قلب الحجاز بعد رحلة دامت لأيام، إذ جاء ذلك بعد أن واجهت العديد من العوائق والصعوبات، استحضر منها ما حلّ بي مع سائق الأكسنت الذي ظلّ ملتصقاً بسيارتي في المسار الأوسط وهو مستمرٌ نحوي في الإضاءة المتقطّعة بأنوار السيارة العالية (التكشيح) نحوي.

لقد كان موقفاً صعباً بحق، الساعة متأخرة من الليل، والطريق فارغ، وصاحب الأكسنت يصرّ على أن يتجاوزني من المسار الأوسط.

كنتُ مصطدماً بالإجراءات النظامية؛ فالمادة (٥٠) من لائحة نظام المرور تلزمني بسلوك المسار الأيمن في حال كان هناك منتفع من الطريق يرغب بتجاوزي، والمسار الذي على اليسار فارغ، كما أن الحكم الوارد في النص النظامي أطلق حكم الالتزام بالمسار الأيمن ولم يقيّده بمجرّد “فتح مجال” كما هو مُتعارف عليه بين الناس، والحالة تتطلّب إجراء ارتجالي دون اللجوء لاستشارة قانوني متخصص، لذا قرّرتُ التصدّي لتقدير المصلحة العامة؛ فضربتُ الفرامل (تسمية أعجمية شائعة للمكابح) في وجهه، ثم قرّر بعدها أن يعمل بالعرف ويتجاوز من المجال المفتوح.

وحتّى لا استطرد كثيراً في ما واجهته من صعوبات خلال رحلة تحقيق ذلك المنجز، ولأنني قائد رحلة تغيير، وملهم لا أنفك ألهم أتباعي؛ أقمتُ حفلاً بمناسبة تحقيق ذلك المكسب السريع في قطع الجزيرة العربية من نجد إلى الحجاز، وفيه كرّمت شركاء النجاح في الرحلة التي قُدتُها، وهم: شركة هوندا التي اشتريت منها سيارتي، محطة ساسكو التي عبّأت منها وقودي، والفنانة فدوى المالكي التي أطربني غناؤها الفصيح.

* من نافلة القول أن الاحتفال بالمنجزات الوهمية ليس غايةً في حد ذاته، فكقائد Fresh؛ عليك أن تضع نصب عينيك هدف التقليل من مجهودات من سبقك، وبالأخص شركاء النجاح السابقين، وكذلك هدف المبالغة في تقدير قيمة منجزاتك الوهمية على النحو الذي يمكّنك من رسم صورة مغلوطة -بناءً على وقائع صحيحة- عن مدى أهميّتك.

لذا استغلّيت الفرصة يومها في الحفل الذي أقمت؛ ثم ألقيتُ خطبةً رنّانةً حقّقتُ فيها مكتسباتٍ أربع:

الأولى أنّني جعلتُ الحضور يعتقدون أن كبار مسؤولي شركة هوندا ومحطة ساسكو في جيب ثوبي العلوي، مع أنّني في الواقع كنتُ أرتدي ثوباً إماراتيّاً ليس له جيبٌ علويٌّ من الأساس.

والثانيةُ أنّني أثنيتُ على الفنانة فدوى المالكي ثناءً شديداً، وذلك لغرض النكاية بشريك النجاح السابق محمد عبده، مع أن الأخير نارٌ على علم، وهو فنان العرب.

والثالثةُ أنّني أنهيتُ الحفل بصورة نمطية مرسومة في أذهان الجميع: أنا رائع، أنا أحقق المكاسب السريعة مع كثرة العوائق، من سبقني في السفر براً من الرياض إلى جدة كان دلخاً، ولم يكن ليتمكّن أحدٌ من أن يفعلها كما فعلتُها.

والرابعةُ أنّني تجنّبتُ الحديث تماماً عن قائد السيارة الذي كان خلفي وكان يريد منّي أن أكون طُعماً لساهر، لأنّه كان يجيد التعامل معي وأنا لا أُجيد التعامل معه، ولأن وقتها أيضاً كان قد تملّكني شعور زائف بأنني في مواجهة أسدٍ دخيلٍ يعتدي على منطقتي، ما دفعني لاتخاذ قرار المواجهة معه، إذ لا يجتمع أسدين في غابة واحدة، لكنّني خسرتُ ذلك النزاع.

“وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ”. سورة النور (٧).


قلتُ ٤٢: 

فررتُ من اللائي أردنَ أذيّةً

فلم أدرِ أنّي بالمفرّةِ قَد ألظى

وهوَّن من كَربِي سُلوِّي بعُزلتي

ولو أنَّهُ لا مال عندي ولا حظّا

وكنتُ إذا ما الصبرُ صُيِّرَ جَزعَةً

أقولُ لعقلي: السؤالُ له محظى

فساءلتُ في دهري سؤالاً أطلتُهُ

مئونَ من الأيامِ مُتَّصِلُ اللفظا

فأضحت شؤونُ الناسِ عندي كأنّها

مُكرَّرُ أحداثٍ أهُمُّ به لحظا

فها أنا لا أهجو زماني وأَمدحُ

ففي بعضهِ لينٌ وفيهِ كَذا الغلظا

هو العقلُ مُشقٍ لو وُكِلتَ لأمره

ولله تدبيرٌ، ونحنُ لنا الوعظا

“سأستأنف الكفاح، وسيسعدني أن أكافح، وسأبعث بالكفاح بعثاً آخر، فأزخر بقوى جديدة”.

– دوستويفسكي


قلتُ ٤٣: يروى عن ابن الحمارس (اسطورة عربية قديمة عن رجل بالغ الشجاعة) أنّه نزل بوادٍ تعيشه الجن، ورأى شيهمة – وهي الأنثى من القنافذ – فقتلها، ثم هاتَفَهُ هاتِفٌ من الجنّ وتهاجى هو وابن الحمارس – قصائد المهاجاة محفوظة في كتب الأدب – حتى بلغ الأمر شيخ من شيوخ الجن فقال: لا والله لا نرى قتل إنسان مثل هذا ثابت القلب ماضي العزيمة، ثم أنشد ذلك الشيخ:

يا ابن الحمارس قد نزلت بلادنا

فأصبت منها مشرباً ومناما

فبدأتنا ظلماً بعقر لقوحنا

وأسأت لما أن نطقت كلاما

فاعمد لأمر الرشد واجتنب الردى

إنا نرى لك حرمة وذماما

واغرم لصاحبنا لقوحاً متبعاً

فلقد أصبت بما فعلت أثاما 

انتهى الأمر بينه وبين الجن بالصلح، ورضي ابن الحمارس أن يدفع اللقوح المتبع على اشتراط أن لا تعتبره الجن غرامةً منه.

المهم .. استفد من القصة ما شئت من الدروس؛ فهذا أمرك، لكنّي لا أرى من داعٍ لأبي حمارس حتى يفعل فعلته تلك !!

“الطريقة الوحيدة للقيام بعمل عظيم هي أن تحب ما تفعله”

– ستيف جوبز


قلتُ ٤٤: أحد أهم التكتيكات التي استعملها مع الحرفيين من العمال لتحفيزهم على العمل هو ما يُطلق عليه ضمن مصادر الالتزام في القانون المدني بـ”الإرادة المنفردة”، عِده؛ رغِّبه؛ إثنِ على جودة عمله؛ أخبره عن نواياك في استعماله دورياً بينما في حقيقة الأمر ستعطيه يوميته ثم ستلتقي به في الجنة إن شاء الله.

جدير بالذكر أن هذا التكتيك لا ينجح على إطلاقه، أذكر مرة أنني استعملت الحرفي الماهر والمفاوض الشرس “كمال حسين” صاحب الجنسية الباكستانية في مشروع كان نطاق عمله: “صيانة تمديدات السباكة”، إلا أن أسعار الكميات التي وضعها في عرضه الفني المرافق لكراسة الشروط والمواصفات كانت مرتفعه، الأمر الذي اضطرني إلى التفاوض معه للتخفيض، مستعملاً سلاح الدراسة المقارنة لأسعار السوق بين المناطق، إلا أنّه فجرّها في وجهي: “كلّو نفر هنا رياض فلوس زيادة، مافي سيم سيم جدة”.

بُهِتُّ ساعتها ودفعتُ خاضعاً دون تخفيض، لذا أنصحك: كن شرساً مثل الحرفي الماهر كمال، لا تكن مراوغاً مثلي.

“التفاوض هو فن تقسيم الكعكة بطريقة ينصرف بعدها كل من الحضور معتقداََ أنه حصل على الجزء الأكبر”.

جورج برنارد شو.

قلتُ ٤٥: انتهى كلامي رحمني الله ..

أضف تعليق