قلاقل | هذا الوقت سوف يمضي ..

قلاقل | من وحي الزجاج ..

قلتُ ٥٢: ما خبرٌ نُمِيَ إليّ؟ هل صدَّقتم أنني سأعتزل القلقلة؟ أضحككم الله ..

قبل أشهر، كُنت مع ثُلتّي الصالحة نشرب ما كتبه الله من كافيين، وبعضنا -هداه الله- يتجرّع ما ابتلاه الله به من نيكوتين، ولذا كانت طاولتنا خارجية، وكان مكاني منها المجاور للزجاج والمطلّ على داخلية المَشرِب عن يمينه، فهو إذاً عن يساري ..

المهم، في معمعة حديثنا، التفتُ إلى يساري، ورأيتُ طفلاً يلعب بسعادة غامرة، أظنّه لم يطلب علم المدرسة بعد، فابتسمت له، فقرّر أصلحه الله وحفظه لوالديه أن يفتح يديه ويجري نحوي ليحظنني، وأبوه يصوّره من خلفه وهو متّجه إليّ، تشنّج وجهي وأتى برسم غريب، هذا التشجيع الغريب من صاحب الأمر، وهذا الشغف العالي من الطفل، والاندفاع السريع، والحماسة غير المناسبة، هي مظاهرة مألوفة عندي، لكنّني انتظر حركة الطفل الأخيرة، ما صنيعُه؟

استمر حفظه الله بالتسارع إلى أن اصطدم بالزجاج، وكان الحادث مروعاً، حيث اصطدم بجسده كاملاً في الزجاج من جبينه حتى أخمص قدمه، فخشيت أنّه أصيب، لكن الله سلّم، أثار قلاقلي يومها، لكنّني آثرت السكوت، ولله حكمته.

في سياقٍ آخر، وقبل أسبوعين، وأنا أقضي إجازتي في كوخٍ ناءٍ في جبال القوقاز، أتنقّل بين آثار السوفييت، وآكل طعام الروس، وأدرس سيكيولوجيات الشعوب السلافية، وتحت خطر اعتداء الدببة والخنازير البرية في أي لحظة، والأخيرة مشاعرها مألوفة عندي كذلك؛ كان هناك حشرة طائرة غريبة تعتزم اختراق زجاج الكوخ بحثاً عن الدفء أو الغذاء في ظني، طيرانها كان غريباً، فهي تعود بضع أمتار إلى الخلف ثم تنطلق مباشرةً وبسرعة إلى زجاج الكوخ ثم تصطدم به ثم تسقط على الأرض، ثم تعاود الكرة مرةً بعد مرة.

شدّني سلوكها، فجلستُ مواجهاً ذلك الزجاج، حتى أُراقب سلوكها جيداً، أو لعلّ الله يفصل بيننا فتنصرف تلك الحشرة بعدما تراني، لكنّها عزمت فعلاً على اختراق الزجاج، إذ استمرت على حالها عشر دقائق تقريباً، حتى طال سقوطها في المرة الأخيرة، فخرجت من كوخي لاطمئن عليها، عندما اتجهت لها؛ رأيتها ترفرف أجنحتها في نزع روحٍ واضح، فأرحتها من غمّها، والزجاجُ ذو شجون.

ربما أخبرتكم في قلقلة سابقة عن كوني قائد fresh، وأنّني أحب التباهي بمنجزاتي، وهو جانب سأركز عليه أكثر في قلاقلي إن شاء الله زكاةً للعلم ..

الشاهد، هذا الحائط الشفّاف المسمّى بالزجاج، يشبه كثيراً -من الناحية المعنوية- ما استعمله من أدوات مع القادة التنفيذيين المُأتمرين بأمري، والساعين لرضاي طمعاً في أن أعطيهم الأُعطيات، وإن أكثرت عليهم الإهانات، أو طلبت منهم ارتكاب المخالفات ..

أتباعي من القادة، وما أدراك ما أتباعي، لعلّي أذكر لكم بعض فئاتهم، والعدد الفعلي لتلك الفئات سأبقيه سراً:

أولّهم: الرزين، يقول ابن حزم رحمه الله: “أما الوقارُ، ووضعُ الكلامِ في موضعه، والتوسطُ في تدبير المَعيشة، ومُسايَرةُ الناسِ بالمُسالَمة؛ فهذه الأخلاقُ تُسمى الرزانةُ، وهي ضِدُّ السُّخف”، وفي فريقي أحب أن يكون منهم رزيناً، واحدٌ فقط، أكرمه، وأجعل له سلطةً خاصة كي لا يبلغني أحد قبل أن يبلغه، فيستحي منه كل من يفكّر في التصعيد إليّ؛ احتراماً له، فأكون قد قضيت على المُصعّدين بسيف الخجل وبقيت مرتاحاً في مكاني.

ثانيهم: غير المهمين، وهؤلاء لا أضع لهم عدداً محدداً، فعندي حالياً على سبيل المثال رئيسين تنفيذيين اثنين، الأول هو الرئيس التنفيذي لقبول دعوات الاجتماعات، والثاني هو الرئيس التنفيذي لمصعدي الخاص، هؤلاء الاثنين الحمقى المطيعين، أجعلهم دائماً يقفون بجوار الأشخاص المهمين، فيعتقدان أنهما مهمين مثلهم، ومن ثم أُسيّر من خلالهم كثيراً من شؤوني بأريحية ودون نزاع، فالأمين المجتهد للّجنة الشكلية التي أنشأتها -على سبيل المثال- عليه أن يخوض تسلسلاً طويلاً حتى أنظر في طلبه انعقاد اللجنة، وسيفقد مع مرور الوقت اجتهاده وارتاح منه، وأكون حققت بإنشائي اللجنة مغانمي التي أردت، ولا غرمت المغارم، بل أنّني أقضي بهم شؤوناً خاصة لا علاقة لها بالعمل أحياناً، ولا تشتمل هذه الفئة على الأشخاص الذين يعلمون أنّهم غير مهمين ولكنّهم يقفون بجوار أشخاص مهمين، فقد كنت مثلهم يوماً ما.

ثالثهم: البصمجي، وهذا الشخص بطبيعته فاشل في شؤون المشاريع، حتى في مشروع البلوت تجده يفرح ويعلن ثم ينسى أن يفرش مشروعه على الأرض! لكنّه رائع جداً عند طلبي إيّاه توقيع أي مستند، فسيتأول المسؤولية على غيره ثم يعطيني بصمته المباركة لا حرمني الله أنامله.

رابعهم: الدبلوماسي الجاهل، وهو شخص يلزم أن يكون جيداً جداً في إيجاد المخارج، قد يكون جيداً من الناحية الفنية أو قد لا يكون، لكنّ سلامته دائماً تهمّه أكثر من هلاك خصمه، فهو لا يقدم على أي تكليف من تكاليف الشجاعة كما سار المثل، وبالتالي يريحني في أنه لا يصطنع المشاكل مع زملائه من أتباعي القادة.

خامسهم: رافض التغيير، وهو شخص منطقي باعتبار أنّني شخصياً وضعت القواعد، وأنا ولي نعمته، فلماذا يسمع مقترحات التغيير؟ سيلبس مباشرةً مشلح رعاية المصالح العامة أو عباءة الحرص، ثم يفتح دولاب التهم المعلّبة، ويخرج اتهاماً بحداثة السن أو آخراً بضعف المرونة، ثم يسلمه مناولةً إلى صاحب الاقتراح، ويُطوى قيد اقتراحه أبد الدهر، ولا حاجة لي لأحامي عنه أو أدفع عنه اتهام الخوف من انكشاف حقيقته.

كثيرة هي الفئات، إلا أن المشترك بين جميع أتباعي من القادة بأنّهم لا يختفي مجدهم أبداً عندما يغادروون فريقي، فهم لم يصنعوا مجداً من الأساس.

{سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ۖ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ۚ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا} سورة الكهف (22).


قلتُ ٥٣: نعم سأعترف .. يوم أن سمعت بمصطلح أشباه الموصلات للمرة الأولى؛ سعُدَت قريحتي التجديفية جداً بذلك، إذ اعتبرته وصفاً ملائماً لأولئك الذين يسكنون المنطقة الرمادية الواسعة التي تقبع بين منطقة الدهماء من غير أصحاب الفكر وبين منطقة الحكماء من أصحاب الأفكار الموصلة، لكن أشباه الموصلات بعالمها الرهيب قد شغفتني حُبّاً، وصار غلطاً وصف أولئك الرماديين بهذا الوصف، فهم وإن كانوا أشباه موصلات لغةً؛ إلا أنّهم ليسوا كذلك اصطلاحاً.

“إِنّي لَأَفتَحُ عَيني حينَ أَفتَحُها
عَلى كَثيرٍ وَلَكِن لا أَرى أَحَدا”

دعبل الخزاعي

قلتُ ٥٤: توقّفت سابقاً -لفترة مؤقتة- عن بناء النظريات، واتجهت نحو التقعيد للمسائل، وذلك من منطلق مسؤوليتي كمجدف عام في إقرار المبادئ التوجيهية العامة للمجدّفين وطلبة التجديف، وسنّ ما يلزم من معايير وأطر وأدلة استرشادية لتحقيق الغايات التي لأجلها اخترتُني مجدِّفاً عاماً، وفيها -أي فترة الانقطاع- وضعتُ “القواعد التجديفية السبع” التي تمثّل المبادئ الأساسية، دونكم هي:

١- الحدس برهان، حاله حال النظر العيان.

٢- قيادةُ الرديّة؛ مفسدةٌ للرعيّة.

٣- بناء العلاقات؛ أولى من إحراز الشهادات.

٤- النمو الطُفيلي كتصرّف؛ أجدى من العجز والتوقّف.

٥- مسلك الشاطر، هو التصدّي للمخاطر.

٦- النكول عن البقاء؛ يُسقِط كلفة الابتداء.

٧- العنجهة والبلطجات؛ تدرأ أصحاب التلوّنات.

هذا والله أعلى وأعلم، فإن أصبت؛ فمن الله، وإن أخطأت؛ فمن الشيطان، أنا مالي دخل.

“وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِى فَٱعْتَزِلُونِ” الدّخان (21).


قلتُ ٥٥: انتهى كلامي رحمني الله ..

أضف تعليق