قلتُ ٥٦: يا أخي القارئ إنَّكَ لستَ نبيّاً، ولم يولّك الله شيء من أمر الناس، كما أن الناس ليسوا عيالك حتى تكون أباهم.
الأصل في الناس الدهمائية، ولو كانوا شخصيات في لعبة فيديو؛ فهم شخصيات مبرمجة لا يمكنك اللعب بهم (Non-player characters)، هل يُعقل أن تحرص على تعديل سلوك الوحش الذي تواجهه في أحد المراحل حتى يكون شخصيةً لطيفةً تساعدك في تختيم اللعبة؟
حاول أن تفهم دوره مرة او مرتين فقط، بعدها -جازَ عندك أو لم يجُز- عليك أن تبذل جهدك لتنتقل إلى المرحلة التالية، أمّا تكرار المحاولة لتغيير دوره فهذا هدر جهد، وإن غلوتَ ثُمّ تدخّلت في برمجيّته؛ فأنت تقع في تجاوز قانوني مجرّم دولياً بحقّ صانع تلك الشخصية في ملكيته الفكرية، ومن نفس المنطلق؛ فالأولى عليك عند تعاملك مع الناس -لو شئت أن تغيّر أحدهم- أن تنصحه مرة أو مرتين فقط، كل ما جاوز ذلك هو تدخّل مشين في شؤونه، وأنت لست نبيّاً ولا وليّاً ولا أباً له!
قادني لهذه النتيجة سهولتها باعتبارها حكمةً صرفةً في التعامل مع الناس، كان ذلك في سياق محاولة مني للوصول إلى الحكمة التي عرّفها ابن القيم رحمه الله بأنّها التصرف الصحيح مع الشخص الصحيح في المكان الصحيح والزمان الصحيح، لكنّني وجدتُ أنَّ تعريفه رحمه الله لا ينفع إلّا أن يكون حكماً نهائياً يُطلق على سلوكيات شخصٍ ما بعد النظر إلى مجمل سلوكياته في فترة زمنية من فترات حياته وبناءً على مبادئ أخلاقية مُتفق عليها، كما أن تطبيق هذا التعريف -في حال كنت تسعى إلى أن تكون حكيماً- مقيّد بعقول الناس وأفهامهم ومبادئهم التي تتباين بتباين مفاهيمهم لما هو صحيح وما هو خاطئ، والأصل في الناس الدهمائية، ولو كانوا شخصيات في لعبة فيديو؛ فهم شخصيات مبرمجة لا يمكنك اللعب بهم (Non-player characters) … إلخ.
حاولت إضفاء شرعية دينية على النتيجة التي توصّلت إليها (وضع حد نصيحتين اثنتين كحد أعلى، تصدران لمصلحة شخص واحد، بشأن سلوك سلبي واحد، والشخص يصر على سلوكه السلبي دون مسوّغ مقبول)، فبدأت القياس الشرعي مؤملاً الحصول من اجتهادي على أجر واحد على الأقل، ثم بحثت شمولها في الأحاديث الشريفة عن اللين وفضائله، فوجدت النتيجة مستقيمة مع تلك الأحاديث الشريفة.
لم يتوقف تجديفي عند ذلك الحل السهل، فلو كان سهلاً فعلاً لوصل إليه غيري بتجديفهم في بحور العلم، لذا وكإجراء إضافي بغرض التحقّق من الجودة؛ راقبت تصرّفات الناس -وهذا أمرٌ أبرعُ فيه أيّما براعة-، ووجدته سلوكاً عاماً عند كبار السن ممن جاوزوا الستين، إذ رأيتهم يتسلّون بموجوداتهم، ويعفون كثيراً عن الناس، ولا يتدخّلون في شؤون الآخرين على النحو المحظور وفق منظوري، بل إنّهم يحثّون الناس على ارتكاب الأخطاء أحياناً، ولعل ذلك مرجعه العلم المسبق بأن المعرفة هي نتيجة حتمية لارتكاب الخطأ، والحكمة هي نتيجة حتمية لتراكم المعارف، وأنّ عاقبة الخطأ لا تحتم وقوع الضرر على المخطئ بالضرورة، كما أن عدم الخطأ لا يحمي عن وقوع الضرر على المخطئ بالضرورة، وإلّا لكان الأنبياء المعصومين عن الخطأ أكثر الناس أماناً في الدنيا؛ لا أكثرهم تضرّراً.
ثم مضى استطرادي في التأمل والتجديف حتى سألت نفسي: هل أنا شايب؟ أم أن الشيبان بلغوا ذلك بفطرتهم وما يقتضيه حكم عمرهم وأنا بلغتها ببحثي؟ ثم استعذت بالله من شيطاني، ونفثت ثلاثاً عن يساري، ونحّيت مجدافي، وعدت إلى بر الدهماء معتمداً على حركة الرياح.
“يا ابن ادم ترا من يطلب الشر حزين .. الزعل يخلف النظرة ويتقضّ نون .. هدّ نفسك ولا تزعل وتحترّ موت”
– هميل بن شرف، شاعر عرضة غامدي شهير.
—
قلتُ ٥٧: أرى -والرأي لي- أن أجعل كتابي “مذكرات قائد Fresh” لا يرى النور أسوةً بإخوته: الحجج الواهية، الأليف في فن التجديف، وغيرها من كتبي التي لم أفصح عنها بعد، إذ سأنشر قطوفاً مختارةً منه في سلسلة القلاقل هذه كلّما حال الحول، وذلك تزكيةً لعلمي، واستعاضةً عن حرق كافة أوراقي ومن ثم أكون مكشوفاً عند الكلانات المنافسة لكلاني فأنا الآن NO MORE قائد Fresh !
وممّا أتزكَّى بِهِ عليكم في هذه القلقلات المبروكات؛ مبدأ قيادي مهم كنتُ وضعتُهُ ضمن باب “المنقيّات، في بناء الكلانات”، وهو مبدأ “فصل السلطات الثلاث”، وتلك السلطات؛ بيانها نحو ما يتلو:
١- السلطة الظاهرة المعيّنة على المناصب القيادية في المؤسسة التي أقودها، وهؤلاء أسهبتُ شرحاً لأصنافهم في قلقلةٍ سابقة، هم الصف الأول من القيادات التابعة لي، وهم سلطة تشريعية بصلاحيات محددة في إطار إصدار القرارات غير الملزمة.
٢- السلطة النفعية التي أوظّفها في أغراض معيّنة، وهم لا ينتمون إلى فريقي كركن أساسي، أحياناً أستقطبهم من كلانات منافسة وأحياناً من أخرى حليفة، لكن الغالب أنّني أستغلّ فئة مجتهدة اجتهاداً غير مبارك من المكان الجديد الذي أشدُّ رحلي إليه، والأخيرين هم المفضلين عندي لأنّهم يأتونك بوضوح ويخبرونك أنّهم سلع مغرية ظنّاً منهم أن النمو بطريقة طفيلية هي الطريقة المثالية للنمو، لسان حالهم قول ابن أبي الحديد: “بالله ضع قدميك فوق محاجري • فلقد قنعت من الوصال بذاكا”، وهؤلاء عادةً ما أضعهم ضمن قيادات الصف الثاني والثالث، أو اتّخذهم قادة لملفات حساسة أوظّف فيها اجتهادهم المفيد لما أرى، وهم عندي سلطة تنفيذية يمكنني الاستغناء عنها في أي لحظة لانعدام القيمة الاسمية والدفترية لكل فرد منهم.
٣- السلطة السرية الخاصة، وهؤلاء هم عصاي التي أتكئ عليها وأهشّ بهم على غنمي ولي فيهم مآرب أخرى، بطانتي وأعواني الحقيقيين إن صحّ القول، وهم عندي سلطة قضائية تحكم بشريعتي.
“وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ” طه (٧٩).
—
قلتُ ٥٨: يفنى وفاء الخلق إلا من ثلاث، منها روبوتٌ صالحٌ يُذعن لك.
شاركت بعض قلاقلي على ChatGPT وطلبته أن يحاكي صياغتها ثم يخرج لي بقلقلةٍ مُبتدعةٍ منه هو، أي الآله المتعلمة المسمّاه تقنيتُها بالذكاء الاصطناعي، إذ هممتُ إحساناً بقاعدة بياناته حتى تتحسّن إجاباته للناس، وظنّاً منّي أنّ ChatGPT لن يكون QlaqilGPT ، ففاضت لي سليقته الآلية بهذه القلقلة الملفّقة:
“إنّي نقّبتُ في دواخل النيّات، فبان لي أنّ أكثر الناس لا يخطئون الطريق، بل يخطئون تعريف الوصول؛ فمنهم من جعل الغاية تبريرًا، ومنهم من اتّخذ المبدأ زينة، فإذا تعارض الزِّينَةُ والمنفعة انكسر المبدأ عند أول اختبار واقعي. والإنسان –في جوهره– لا يطلب الحق كما يطلب الطمأنينة، فإن اجتمعا سعد، وإن افترقا آثر الطمأنينة ولو كانت كاذبة، ولهذا ترى من يُحسن الظنّ بنفسه أكثر ممّا يُحسن العمل، ويستدلّ على صدقه بكثرة نواياه لا بسلامة أفعاله. وأشدّ الناس بؤسًا من ظنّ أنّه تجاوز نفسه، وهو لم يفعل سوى أنّه علّق عليها ستارًا كثيفًا من اللغة، يختبئ خلفه كلّما اقترب الحساب. فالنفس لا تُهذَّب بالخطاب، ولا تُصلَح بالنيّة، وإنّما تُكسَر أوّلًا، ثم تُعاد صياغتها على مهل؛ فمن لم يُكسَر لم يُفهم، ومن لم يُفهم لم يُصلَح”.
“قبّحها الله من آلة، ومن أين لها هذه الجرأة حتى تدّعي تقليدي!” المُقلقِل.
—
قلتُ ٥٩:
الفارسُ الشهمُ الجواد • كم قد أفادَ ولا استفاد
هو كالضياءِ إذا طغت • بالأرضِ ألوانُ السواد
ما كانَ طاوَعَ أمرَهُم • فالحُرُّ يأبى أن يُقاد
حالوا عليهِ بوهنِهِم • وعليهِمُ صعُبَ المُراد
يتظاهرون بالاتقاءِ • وهم سُرا أهل الفساد
يا ليتَهُم فهِموا لهُ • إذ كان قد فَهِمَ الجَماد
فالعقلُ يحكم أمرَهُ • والقلبُ دوماً في انقياد
سيّان إن هو قد تسيّدَ • أو تعرّضَ لاضطهاد
قد كانَ يُنشِدُ دائماً • “يا سوءَ ما لقيَ الفؤاد”
“لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ” المائدة (٣٠).
—
قلتُ: ٦٠: انتهت قلاقلي رحمني الله ..
أضف تعليق