قلاقل | هذا الوقت سوف يمضي ..

شِرباك!

وُقِّعتُ شِرباكَ الشِكاكِ الأربَكُ

وظللتُ أكتُبُ والمَكاتِبُ أربَكُ

والحبرُ يشكو من مَمَاسِحِ خطِّهِ

وأصابَ مِقوالِي كلامَ تلَكلُكُ

هلّا مَسَحتَ الخطَّ دأبكَ دائماً

ما دُمتَ تَمسَحُ؟ أم عَزَمتَ تُدربِكُ؟

قلتُ ١: احترت في تسمية هذه السلسلة ذات القلاقل، هل أسمّيها: “ذات القلاقل”؟ أم: “القُطُوف في غريب المألوف”؟ لكنني انتهيت -على طريقة الدكتور عبدالعزيز الحربي- إلى أن أسمّيها تأسّياً بكتاب الله في أسماء بعض سُوَرِه، إذ سَمَّيتُ السلسلة باسم جامع لما ورد فيها “القلاقل”، كما سُمِّيت في الكتاب الكريم سورة الأنبياء.

{اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ}



سورة النمل (28)

قلتُ ٢: المخطئون الغالطون؛ هم عند أهل المعرفة بحقائق الأمور معروفون، وشر أولئك الفئام؛ لا يحصيه الرجل الفصيح بالكلام.

ذات مرة: وجّهتني أمّي حفظها الله بإكمال اللازم في شأنٍ ما وفق خطة تنفيذية أقرّتها بموجب صلاحيّتها في تقدير المصلحة العامة، إلّا أنّني ولعادتي في عدم التقيّد ضمن المناطق الرمادية التي أزهو فيها؛ خرجت عن التوجيه متسوّغاً بما أعرفه من كتاب الحجج الواهية الذي سيجري الحديث عنه في القلقلة الثالثة، لكن النتيجة لم تكن كما توقّعت، بل أنّها عادت عليّ بالسلب على شكل مصيبة رماني بها قوس الحنكة، حتى أنّه لم يراودني الشعور وقتها بأنّني سبيكة ذهب كالعادة، بل راودني الشعور بأنّني سبيكة فحسب، فعدت إلى أمّي بالتقرير الختامي للمهمة متضمناً نتيجة الفشل، لكنّ أمّي لم تُثرِّب عليَّ رغم جسامة الخطأ الذي ارتكبته، وإنّما اكتفت بلومي من خلال التربية بالحكمة كعادتها فقالت: “إذا بليت يا فصيح؛ لا تصيح”.

قادني تصرّف أمّي حفظها الله إلى الإجابة على تساؤلي القديم حيال سر تسامح الناس مع بعض المخطئين وعدم تسامحهم مع بعضٍ آخر رغم تساوي جسامة الخطأ من الاثنين، إذ وجدتُ الجواب في نظرية خزينة المشاعر التي استلهمتها ساعتئذ -أي ساعة اللوم-.

تقول النظرية: عندما ترتكب خطأ ثم يتقبّله من أخطأت بحقه؛ فهذا يعكس بالضرورة أمرين:

‏١- أن من أخطأت بحقه يختزن لك رصيداً كافياً من المشاعر لتغطية الخطأ المرتكب.

‏٢- أن رصيدك من المشاعر لدى من أخطأت بحقه قد نقص بقدر حجم الخطأ المرتكب.

‏لذا فإن تقبل الخطأ هو عبارة عن مصروف من خزينة المشاعر.

“لِهَوى النُفوسِ سَريرَةٌ لا تُعلَمُ
عَرَضاً نَظَرتُ وَخِلتُ أَنّي أَسلَمُ”

المتنبي

قلتُ ٣: لي صديقٌ مزاجي، لديه حكمة يستشهد بها مع كل قرار مزاجي يتّخذه، فإذا استعجل -مثلاً- قال: “لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد”، لكن اذا استمهل؛ قال: “كل تأخيرة فيها خيرة”، وغيرها الكثير جداً من الحكم، ألّفت بالاشتراك معه كتاباً -لن يرى النور إن شاء الله- أسميناه كتاب الحجج الواهية، أصفه بأنه أدق ما كتب العرب في دراسة التملّص ومظاهره وأسبابه ونحله وطرائقه، وهو جهالة لا تضرّ ان شاء الله.

أذكر مرة أنّه طلب رأيي في مستودع يرغب باستئجاره لأغراض تجارته، فقلت له ممازحاً ومبالغاً في تقدير المستودع: والله إنَّك ستنال من الصلاة فيه عشرة أضعاف الأجر، فرمقني بعينه ممتعضاً من مزاحي في الدين، مع أنّي لم اقل خطأً فالحسنة بعشرة أمثالها في هذا المكان وغيره || أصدقكم القول أنّني لا أملّ من استخدام هذه النكتة في مختلف المواقف رغم مرور سنين طويلة على استخدامي الأول لها في المرحلة الابتدائية هههه.

وبالاستطراد إلى أحاديث المرحلة الابتدائية، ورغم مرور السنين؛ إلا أنّني لا أستطيع أن أتذكّر تلك المرحلة دون أن أتذكّر معلّمي الذي كان ينتقم من أحد أقاربي على حسابي وأنا في الصف الرابع بعد مضيّ أكثر من عشرين سنة على حادثة سخيفة جمعت بينهما!

“عَلى أَنَّها الأَيّامُ قَد صِرنَ كُلَّها
عَجائِبَ حَتّى لَيسَ فيها عَجائِبُ”

ابن زيدون

قلتُ ٤: احذر الدعاة الوقوف بأبواب جهنم!! قالوا من هم يا علي الغامدي؟ قلتُ: هم أدعياء الذكاء العاطفي.

وهذا التحذير يقودني إلى تحليل سيكيولوجية التذكية العاطفية بين طرفي العلاقة فيها، إذ يبدأ مدّعي الذكاء العاطفي بمدح الطرف المُذكّى ووصفه بما ليس فيه، ثمَّ ترفيعه إلى مكانة لا يستحقها، ثم وضع خابور تحت مكانه المزيّف، فإذا تنبّه المُذكَّى للفخ الذي وقع فيه؛ يجد أنَّ من دونه خابور مهول، فلا يتأتّى له النزول من مكانه المزيّف دون أن يتألّم، فيظلّ عالقاً حتى يُحدث الله بعد ذلك أمرا، هذا إذا تنبّه؛ أمّا إذا لم يتنبّه فالزمان زمانه || جديرٌ بالذكر أنّ التذكية العاطفية لا يسبقها استقبال القبلة ولا تسبقها التسمية بالله والتكبير.

“إذا بليت يا فصيح؛ لا تصيح”

أمي

قلتُ ٥: 

هي الأحلاُم نأملُها كأنّا

‫سنشربُها كمِشرابٍ فُراتِ

‫جميلاتٌ ولكنّا سنفنى

‫وما نلنا سوى بعضَ الفُتاتِ

“على المدى الطويل؛ سنكون جميعًا أمواتا”

جون مينارد كينز

قلتُ ٦: احترتُ مرةً أخرى، ولكن هذه المرة حيال الخاتمة، ثم قرّرت أن استمر في قلاقلي حتى تبلغ عشر قلاقلٍ ومئة، أو أزيد، أو أنقص، لا أعلم، المهم أنّني أُحسُّ بأن البيت التالي مناسب كخاتمة للسلسلة على طريقة الإلبيري:

“وقد أردفتها خمساً حساناً
وكانت قبل ذا مئةً وخمسا”

أنا

قلتُ ٧: الغد الجميل الذي تخطط له أنت ورأسك قد لا يأتي غداً، ربما يأتي بعد غد، أو قد لا يأتي أبداً، وكذلك حاضرك الذي تقول أنه للنسيان؛ قد يكون ذروة ازدهارك، لذا لا تقلق كثيراً بشأن الغيبيات التي علمها عند ربي في كتاب، فهذا الوقت سوف يمضي، ومن لم يصنع سعادته بنفسه لن يصنعها له غيره.

“لا تَحرِصَنْ فَالحِرصُ لَيسَ بِزائِدٍ
في الرِزقِ بَل يَشقى الحَريصُ وَيَتعَبُ”

ابن عبدالقدوس

قلتُ ٨:

حدّثني شيخانِ

في سالفِ الأزمانِ

عن صَيدِهم بُدنانِ

في أحد البلدانِ

فقُلت للشيخانِ

ما ذاكُمُ استحساني

الأبيات أعلاه على بحر المنسرح، منهوكاً موقوفاً، والبحر المنهوك هو البحر الذي نقص منه تفعيلتان من كل شطر، أمّا البحر الموقوف فهو البحر الذي تُكتب أبياته واقفة بعضها بعد بعض، لا على شطرين، والله أعلم.

وكان إمامنا الفراهيدي مؤسس علم العروض قد توقّع في القرن الهجري الثاني أن العرب سيكتبون الشعر يوماً ما على هذا البحر الغريب، رغم قصره وضعف الصور البلاغيه التي يمكن أن يحتويها، وقد انتقده المنتقدون على رأيه هذا سنين عددا، إلّا أن توقّعه كان في محلّه، حيث جاءت الدبكة الشامية -لاحقاً- لتُؤكد استحسان الناس لهذا البحر .. جرّب عزيزي القارئ أن تدندن الأبيات بلحن: “بسّك تجي حارتنا”:

حدّثني شيخانِ

^يا عيني^

في سالفِ الأزمانِ

^الله الله^

عن صَيدِهم بُدنانِ

^يا عيني^ 

في أحد البلدانِ

^الله الله^ .. إلى آخر الأبيات.

ارتفعت قيمة الأبيات أليس كذلك؟ 

“الشِعرُ ديوانُ العَرَبْ
أَبَداً وَعُنوانُ الأَدَبْ”

أبو فراس الحمداني

قلتُ ٩: كان لي رئيسٌ رائع، رضي الله عنه، يُعفي لحيته، يجزّ شاربه، لا يلبس العقال، يرى نفسه فيني أيام شبابه، لا يبخل بعلمه، علّمني الأسماءَ كلّها، يحبّني في الله وأحبّه، كفل عنّي يتيماً، حفر لي بئراً، وقد كنتُ استودعه سرّي، وأجعل له مكانة الملائكة غلوّاً فيه، وهل أهلك الأقوام التي قبلنا غير الغلو في الصالحين؟ حتى أنّ المقرّبين منّي يعرفونه باسم: “رضي الله عنه” لا بكنيته، لكثرة ما أترضّى عنه، وشدَّة تثريبي على من يذكر اسمه دون أن يترضَّى عنه، وكان كثيراً ما ينصحني بضرورة تغيير عملي الذي كنتُ أعمله لقلّة العائد وضعف التقدير، إلّا أنّني كنتُ أخبره بأنّني سأتريّث إلى حين الفرصة المناسبة، مسوّغاً تريّثي بأن التقدير المعنوي والعدم عندي سواء، وأنَّ الرزقَ فضلٌ من الله؛ لا رادّ له.

بعد أشهر، وقد كان رضي الله عنه قد أصلح شاربه، وقصّ فضول لحيته، وارتدى عقالاً أسوداً، وأواصر محبتّنا في الله قد ازدادت تجذّراً؛ ذهبت إليه مهرولاً، ومبشراً إيّاه بأن الفرصة قد حانت، وحان معها الرحيل، ففرح لي وأشار عليّ بأن أفعل كذا وكذا أولاً، وفعلت.

في صباح اليوم التالي؛ اتّصل بي وقال: “ما شاء الله شرّفت؟” فضحكتُ بصوتٍ عالٍ وقلت له ممازحاً: “الحين جايك وترا باقي ثلاثة شهور لازم تتحملني”، دخلت مكتبه، وإذا بوجهه مكفهرّاً، وثمّة اجتماع منعقد في مايكروسوفت تيمز، يحضره ثلاثة من القائمة السوداء حسب تصنيفه، لم ينتبه إلى أنّني انتبهت، ثم كانت الصاعقة: انفجر رضي الله عنه في وجهي منتقداً سلوكي السيء وجودة عملي الضعيفة طوال فترة رئاسته لي -على حد زعمه-، والتي كان آخرها أنّني فعلت يوم أمسٍ كذا وكذا، فتركته حتى أفرغ ما ببطنه، إذ اعتقدت في البداية أنّها مسرحية، أو حكمة على طريقة الخضر عليه السلام وليس لي أن أسأل عنها حتى يُحدث لي من أمرها ذكرا، بل اتهمت رؤية الإبصار عندي، لكنّ الأمر كان حقيقياً، لم أجادله، وقلت له بعبارة فصيحة خرجت وحدها دون أمرٍ منّي: “أعتذر إليك إن كنتُ أسأتُ دون قصد، ووالله أن فضلك عندي محفوظ، أمّا ما شئت أن تصف به شؤون المهنة؛ فله عندي من المنزلة ما كان للكلام الذي كان يقوله مناوئي معاوية رضي الله عنه لمعاوية من المنزلة عند معاوية، دابر الأذن وأسفل القدم، ولا أثر لها على ما أخصّك به من مكانة وتقدير”، فانفضّت الجلسة.

حاولت بعدها -استثناءً على الأصل في تعاملي مع المدبرين- أن أسعى إليه لأُصلح ما بيننا، لفضله عليّ، إلّا أنّه استمر في كيده يعمه، فلا هو الذي عاد لرشده، ولا هو الذي اكتفى بما فعل، ثم سألت نفسي: طالما أن هذا الرجل الرائع علّمك الرماية، والآن قد اشتدّ ساعدك، لماذا لا ترميه؟ فرميته .. رضي الله عنه، لم أكن أتصوّر بأنَّ العقال الذي قرّر أن يرتديه لاحقاً أشدّ بياضا من قلبه.


“يَشقى رِجالٌ وَيَشقى آخرونَ بِهِم
وَيُسعِدُ اللَهَ أقواماً بِأَقوامِ”

ابن عبدالقدوس

قلتُ ١٠: واعدتُ فرداً من غير ثلّتي الأقربون أن أزور إيطاليا معه، وقد كان إماماً لجامعٍ معروف في جدة، لكنّني ماطلتُ في وفاء وعدي، وبعدها كانت المفاجأة، لم يسافر صديقي فقط إلى إيطاليا بدوني؛ بل أمَّ جامع المسلمين في روما شهر رمضان، فأرسلت له هذه الأبيات:

“صديقٌ لي يواعدني سِفاراً

لأرض المعكرونةِ و الكُراتِ

يواعدني ويتركني وحيداً

كأني لا أشاركه صلاتي !” 

يمكنني مقاومة كل شيء .. إلا الإغراء”

اوسكار وايلد

قلتُ ١١: رجزتُ معارضاً لحكاية الدب:

يُحكى بأنَّ جحشاً • أرادَ يوماً نهشاً

في لحمِ مُهرٍ يافِع • ليَغنمَ المنافِع

فزاده فرطُ القَلَق • همّاً على همٍّ فَتَق

فأدرك الفضيحه • كنعجةٍ نطيحه

لأنّهُ لم يفتطِن • لخطّة المُهرِ الفَطِن

هُمُ كَذا الجِحاشِ • لو سمعوا الوشواشِ

يُقدِّمونَ الأُعطِيَه • وذي لعمري أُحجِيَه!

وذلك عن حكاية الجحش المفوّه، والقصة كما حكاها لي صاحبها -على ذمته- أنّها تُحكى عن جحشٍ كان يُجيد حديث الآدميين، وقد كان بذلك أعجوبة دهره، وواحد زمانه، تنقّل وترقّى بين مختلف المزارع الرائدة نظير ما أظهره من براعة في مهارات التواصل مع البشر، ونظير علاقة الدم التي تربطه بمجتمع الخيول الأصيلة.

رآه مرة مزارع من المزارعين، وأُعجب به، فقرر استقطاب ذلك الجحش للعمل في مزرعته على منصب “مستشار مُزارع أوّل”، إذ علاوةً على فصاحته؛ كان جوكراً يمكنه العمل مع أكثر من قطيع ببراعة:

١- قطيع الحمير؛ وهو يتفوق عليهم بعرقه المهجّن مع الخيول.

٢- قطيع الخيول؛ وهو يتفوق عليهم بمهارة التواصل مع البشر.

٣- قطيع المواشي المستوردة؛ وهو يتفوق عليهم بخبرته في إجراءات عمل المزارع المحليّة.

باختصار؛ كان الجحش المناسب في المكان المناسب ..

ثم مرّت بعدها الأيام، ولمع نجم مُهرٍ يافعٍ من قطيع الخيول الأصيلة في المزرعة، والذي كانت له خصائص فريدة جعلت منه محبوب المواشي، حتى أنَّ أكبر فانزاته كان حاشي، والمعلومة الأخيرة ليست إلا سجعاً على الماشي، وهو الأمر الذي أقلق الجحش المهتم كثيراً بأمر سمعته التي بدأت بالاهتزاز مع تزايد شعبية المُهر البارع، رغم أنّه كان جحشاً كثيف الحمق، مُقيّداً في رق، وإن ادّعى الحذق، إذ شدّ ما قربت عليه الأنجم عن الصدق، إلى نهاية الحكاية، لن أكملها لأنّها لا حاجة لذلك، الحاجة فقط للفت عنايتكم إلى الانتباه من الجحوش والـ “Half horses”.

{وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً}

سورة النحل (8)

قلتُ ١٢: حدّثني ثقة من الأخوة، وهو مسؤول من مستوى عالي، قال: من مبادئ القيادة أن تبني مستعمرة لنفسك كقائد، وذلك من خلال تمكين من هم دونك في التسلسل الإداري بوضعهم في مكانة أعلى من التي يستحقونها، وزيادتهم قدر المستطاع، والغاية من ذلك -على حد رأيه- تتبيّن في:

١-  كل ما اعتلت مكانة من دونك؛ كل ما اعتلت مكانتك.

٢- كل ما كانت مكانتك عالية؛ كل ما زادت صعوبة الوصول إليك.

٣- كل ما زاد عدد أتباعك؛ كل ما قلّت احتمالية اختراق مستعمرتك.

{فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي ٱلنُّجُومِ ﴿٨٨﴾ فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ ﴿٨٩﴾}

سورة الصافات

قلتُ ١٣: أؤمن بالحدس، ولا أعتقد أن إصابة الحدس مسألة حظ، بل أعتقد أن الحدس عبارة عن أفكار ذكية جداً يبرمجها دماغك ولا يستطيع إدراكك العقلي أن يلاحظها، فيصلك الأمر من جهازك العصبي على شكل حدس، حالها حال الموجات الصوتية من حيث السماع؛ فكل ما زاد تردّد تلك الموجات الصوتية كل ما أصبحت مسموعة بشكل أكبر، حتى يتجاوز تردّدها ٢٠٠٠٠ هيرتز فتصبح غير مسموعة، والكلام السابق لا يعدو كونه تنظير يفتقر إلى الدليل المادي، ولكنّ قولي حجّة.

{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ}

سورة الزمر (9)

قلتُ ١٤:

إن الذي قدر العجائب قدرها

ساوى لديه البيضُ منها السُوَّدا

ولقد رأيتُ من العجائبِ حاجتي

فذهلت حين رأيت منها الأزودا

ما كان يُحسَبُ حادثاً أو صادفاً

أو ما يقوم به اللئيمُ تَفرُّدا

وكأن ثأراً كان كائنَ بيننا

أو أنَّها قد أقسمت لي بالعدا

فإذا خلوت وأبصرتني؛ أوعدت

لو مر هذا اليوم؛ فالوعدُ غدا

{وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ}

سورة الشعراء (224)

قلتُ ١٥: الحمد لله الذي باعد بيني وبين الجسر المعلق في غرب الرياض، ذات مرة تأخّرت عن مناسبة هامة في مدينة جنوب الرياض -وأنا بالمناسبة أعتبر الرياض أربعة مدن مستقلة بذاتها-، وقد كان الداعي يستعجل مجيئي، فكتبتُ له مجارياً الفرزدق:

“فإنّك لاقٍ بالمعلّق في لبن
زحاماً فخبّرني بما أنت صانعُ”

أنا

قلتُ ١٦: بينما أكتب قلقلةً عن قراءتي للمشهد الاجتماعي بناءً على القواعد والنظريات، وأستشهد بهما يمنةً ويسرةً لقياس المعطيات، الأمر الذي قادتني له ظاهرة دخول الموسيقى إلى الشيلات؛ تذكرت أنني كنت قد عزمتُ قديماً على ألّا أتحدث عن الوضع الاجتماعي مرة أخرى إعمالاً للقاعدة الشهيرة: “وفّرها في جيبك”.

و “وفّرها في جيبك” قاعدة جميلة تحصر النظر على الأثر الناتج عن الفعل مباشرةً؛ دون الالتفات إلى مدى سلامة ذلك الفعل من عدمها، مثلاً:

١- ستُبدي رأي في موضوع ولكن رأيك لن يُحدِث أثر؟ وفّره في جيبك سواءً كان رأيك صحيح أم غير صحيح.

٢- ستتخذ إجراءات معينة في موضوع معين لكنها لن تُحدِث أثر؟ وفّرها في جيبك سواءً كانت إجراءاتك صحيحة أم غير صحيحة.

وهكذا دواليك ..

“فَقَلقَلتُ بِالهَمِّ الَّذي قَلقَلَ الحَشا
قَلاقِلَ عيسٍ كُلُّهُنَّ قَلاقِلُ”

المتنبي

قلتُ ١٧: خيبة الأمل تقود المرء نحو المشاعر النقيضة، وعلى المرء الحذر، فالأولى أن يعود عند خيبة أمله إلى الأصل لا أن يتّجه نحو النقيض .. مثلاً:

إذا كان الحب يعني الكثير من المشاعر الإيجابية؛ فالأصل أنّها لا مشاعر، أما النقيض فهو الكثير من المشاعر السلبية، أي الكره.

للتوضيح أكثر، دعونا نُجري تحقيقاً افتراضياً:

السؤال: فلان من عامة الناس ولا تعرفه .. هل تحبه أو تكرهه؟

الإجابة: لا

السؤال: فلان هذا رأيت منه أمور جيّده وأعجبك .. ماذا حصل بالضبط؟

الإجابة: اعطيته امتيازاً ووهبته مشاعر المحبة.

السؤال: فلان هذا تبيّن أنّك بالغت في تقديره، وهو لا يستحق ذلك الامتياز .. أين الخطأ بالضبط؟

الإجابة: في قرار منح الامتياز .. لم يكن قراراً صحيحاً.

السؤال: إذا كان قرار منح امتياز المحبة خاطئ، وقررت أن تُلغي ذلك القرار، فإلى أين يفترض أن يعود فلان؟

الإجابة: إلى مكانه الأول، فلان من عامة الناس.

السؤال: هل فلان من عامة الناس يستحق أن تتخذ قرار بمنحه امتياز الكراهية؟

الإجابة: لا.

السؤال: لماذا إذاً قرّرت أن تمنح فلان هذا الذي تبيّن لك عدم استحقاقه لامتياز المحبة الذي منحته له ثمّ سحبته منه؛ امتياز الكراهية؟

الإجابة: لأنّه خيّب أملي.

السؤال: على نفس المنوال السابق، ماذا لو أن شخصاً ما كنتَ قد قررت أن تمنحه امتياز الكراهية، ثم تبيّن لك أنّ قرارك خاطئ، هل ستعطيه امتياز المحبة تعويضاً له أم ستكتفي فقط بإعادته إلى موضعه كفلان من عامة الناس؟

الإجابة: سأكتفي فقط بإعادته إلى مكانه الأول كفلان من عامة الناس.

السؤال الأخير: لماذا تصيبك خيبة الأمل عندما تكون الضحية ولا تُصيبك عندما تكون الجلّاد؟

الإجابة: والله يامير مشاري ..

إذاً لكل ما سبق؛ اضبط نفسك، واخشوشن، ولا تكن دلّوعاً تكره كل من خيّب أملك، فالأولى عليك أن تعيد النظر في آلية منح امتيازات المحبة والإعجاب إن كُنتَ تصاب بخيبة الأمل كثيراً، وأن تخفض من سقف توقعاتك، ولعلّي أُشارككم جوهرة نظرياتي “نظرية الدوائر” في قلقلة لاحقة.

“وما أَدَّعي ما يَعلَمُ اللَهُ غَيرَهُ
رِحابُ عَلِيٍّ لِلعُفاةِ رِحَابُ”

أبو فراس الحمداني

قلتُ ١٨: فعل الفعل الخاطئ بشكل خاطئ يعني أنك أخطأت مرتين، لذا افعل الفعل الخاطئ بشكل صحيح.

“يا رَبُّ مَعنىً بَعيدَ الشأوِ أَسلُكُهُ
في سلكِ لَفظٍ قَريبِ الفَهمِ مُختَصَرِ”

القاضي الفاضل

قلتُ ١٩: في وقتٍ مضى؛ كان نجمي المفضل ذي الرقم (١٩) احتياطياً في مباراة فريقي الذي أُشجّع، وكان فريقي متأخرّاً في نتيجة تلك المباراة الحاسمة، ثمّ أدخله المدرب في الشوط الثاني بديلاً عن المهاجم الذي بدأ به، وقدّم نجمي أداءً هائلاً حتى أنّه سجّل هاترك، فأنشدت:

يا رأسَ حربتنا هتكتَ دفاعهمْ

وقصفتَهُمْ تاللهِ قصفَ المِدفعَا

أُنظُرْ إلى كُلِّ الدفاعِ فأيُّهُمْ

يَجرو فينظُرَ فيكَ نظْرَ تشجُّعَا

يتراجفونَ لخوفِهِمْ، يا ويلَهُمْ

لَهَجوا بـ”يا جِيسُوسَ” لهجَ تضرُّعَا

فارفقْ بِهِمْ باللهِ لا تُعطَ وزرَهُمْ

وارحمْهُمُ يرزُقْكَ حُسنَ المصرَعَا

“كرة القدم هي كرة القدم”

ماجد عبدالله

قلتُ ٢٠: أرسل لي صديقي العاطفي ذات مرة:

“خيالُكَ في عيني وذِكرك في فمي

ومثواك في قلبي فأينَ تغيبُ ؟”

فأجبته كاذباً:

“أغيب ولا بينٌ فبَينُكَ يُؤثمِ

أغيب إلى قلبي ففيه تغيب” 

“الصدق نادر، ولذلك فهو ثمين”

مارك توين

قلتُ ٢١: دورة حياة الإنسان مثل دورة حياة عود الحطب، يشتعل في بداية عمره، ثم يبدأ في الاحتراق، ثم يصبح جمرة يلزم التعامل معها بحذر، ثم ينطفئ بعد ذلك ليصبح قطعة فحم، ثم قد يتعرض بعدها إلى حرارة شديدة وضغط عالي تحولانه إلى ألماس؛ لكن الأصل أنّه سيكون رماداً تذروه الرياح.

“وَما المَرءُ إِلّا كَالشِهابِ وَضَوئِهِ
يَحورُ رَماداً بَعدَ إِذ هُوَ ساطِعُ”

لبيد بن أبي ربيعة

قلتُ ٢٢: قادتني ميادين العمل إلى التعرّف على سكرتير رائع، له من الخبرة في السكرتارية التنفيذية ما يزيد عن خمسة عشر عام، عنده كافة الجدارات السلوكية والفنية التي تؤهله للعمل مديراً لمكتب كائنٍ من كان، إلا جدارة الأمانة، ولهذا أقول له دائماً بأنّني سأجعله مديراً لمكتبي في الجنة إن شاء الله عندما تنقّى النفوس من الخطايا وما يشوبها من مساوئ الأخلاق، فهذه الجدارة ضرورية للعمل معي في الدنيا وإن كانت هي فقط ما ينقصه، وهو يتقبّل رأيي بصدر رحب.

المهم، صديقي هذا كان يعمل تحت إمرة كبير مستشارين “يُشار له لاحقاً بالكبير” ذو خلفية ضليعة في الهندسة الكهربائية والإشراف على أعمال الإنشاء والبناء، في مؤسسة استشارية لا علاقة لها بأعمال الإنشاء والبناء، مهندس ميداني لا يشق له غبار كما يُشاع عنه -الكلام لا يزال عن الكبير-، كان عاطلاً عن العمل لثلاث سنوات قبل أن يستقطبه نسيبه للعمل كبيراً لمستشاريه بالمؤسسة التي يرأسها والتي يعمل بها صديقي السكرتير أيضاً، وقد كان الكبير هذا قد وعد صديقي السكرتير بأن يجعله مدير مكتب، وأن يفكّ قيده من السكرتارية التنفيذية، ومن هنا بدأت القصة.

في يوم من الأيام، تفاجأ صديقي بقدوم مديرة مدرسة أهلية إلى اجتماعه اليومي مع الكبير، وعرّفه الكبير في ذلك الاجتماع بها على أنّها مديرة المكتب الجديدة!

خاب أمل صديقي، لكنّه كظم غيظه، وتمالك نفسه حتى انتهى الاجتماع، ثم عاد إلى زميله السكرتير الآخر مخبّباً إياه على المديرة الجديدة: “انتبه من عجوز النار ترا تقرب لهم”، فقرّرا العصيان، ثم استشاراني، كنتُ صادقاً وقلتُ أنّني أغبطهما على هذه التجربة الرائعة التي سيعيشانها، لا سيما وأنَّ المؤشرات واضحة، ناصحاً إياهما بالاستمتاع باللحظة دون أن يمتدّ الأمر إلى ما بعد الساعة الثالثة مساءً، فاتّهماني بالسايكوباثية لأنّني أستمتع بهذه الصراعات؛ وأجعل لها عندي منزلة المسلسلات، فنبذا رأيي.

دقّت ساعة الصفر، وقد كانت المديرة الجديدة -بدعم الكبير- تحظى بسلطة تصرّف مطلقة، لذا بدأت معهما بسياسة حازمة منذ الإشارة الأولى للعصيان، الحرب ولا شيء غير الحرب، مطلقةً لتصريحٍ ظلَّ عالقاً في أذهان موظّفي المؤسسة الاستشارية ذوي الصلة بأنّ هذين الاثنين لا يختلفان كثيراً عن الطالبات اللائي كانت تديرهنّ.

كان رأيها صحيحاً، إذ لم يتطلّب الأمر معهما إلّا شهراً واحداً فقط قبل أن يعلنا السمع والطاعة للمديرة الجديدة، وشهراً آخر ليتزلّفا لها بطريقة مألوفة في ميادين العمل، بزعمهما أنّهما يلتمسان العذر لظروفها النفسية في مرة، وبالفكاك من توجيهات الكبير في مرة، وغيرها من الأعذار المعلّبة في مِرار.سامحهما الله، من نافلة القول أنّهما غضبا منّي على نحوٍ مبالغٍ فيه عندما أرسلت لهما هذا البيت:

“وَلا تَيأَسا أَن يَمحُوَ اللهُ عَنكُما
ذُنوبًا إِذا صَلَّيتُما حَيثُ صَلَّتِ”

كُثيّر عزة

قلتُ ٢٣: 

ما رامَ دَهرِي السِّلمَ مُذْ أدرَكتُهُ

فتكونُ تُوحشني الحروبُ الآتيةْ

إنّ المصائبَ لا تُريحُكَ ساعةً

حتّى تَهولكَ عنوةً بالتاليةْ

هيهاتَ لو تركتكَ يوماً واحداً

لمضى خيالاً لا يعودُكَ ثانيةْ

العيشُ صبرٌ .. والمنيّةُ راحةٌ

فاصبِر عليها مِن حياةٍ فانيةْ 

“مفتاح الانتصار في أي معركة هو الإخلال بإيقاع الخصم”

ميرويم ساما (ملك النمل)

قلتُ ٢٤: من الكتب التي ألّفتها ولن ترى النور إن شاء الله كتاباً اسمه: “الأليف في علم التجديف”، بدأته بقول الله تعالى: “بِسْمِ ٱللَّهِ مَجْر۪ىٰهَا وَمُرْسَىٰهَآ”، ثم شرعت في محتواه من تعاريف مصطلحاته، وما لا يسع جهله قبل طلب العلم منه، ثم كيفية إدارة العلاقة بين المجدِّف والمجدوف، وبين إنسان التنفيذ وإنسان التجارب، وغيرها من الأبواب والفصول، وحتى خاتمته التي ناقَشَت ترتيبات منح تراخيص الفهم إلى الآخرين.

والتجديف اصطلاحاً لغرض استيعاب هذه القلقلة، وفي موضوع ذلك الكتاب؛ هو مصطلحٌ استلهمتُهُ من اعتبارٍ مهمٍ في دلالة اللغة: “ابتذال اللفظ يغيّر دلالته”، وقد مثّل لذلك ابن فارس في كتابه مقاييس اللغة: “‏… مثل قولهم تَعَال، أي :اعْلُ، ثم كثرت حتى قالها من كان أسفل لمن كان فوق…”، ومحل الاستلهام هنا هو ابتذال الناس في كلامهم لمصطلح “التنظير”، وكثرة المتصدّين جهلاً لهذه المهمّة المقدّسة، حيث شئت أن أفرّق بين التنظير الهارف، وبين التنظير العارف؛ الذي هو في حقيقته تجديفٌ بين بحور العلم والمعارف والتجارب والقياسات، ولذا سمّيتُ التنظير الشريف؛ علم التجديف.

‏وعلم التجديف هذا علمٌ أزعم -دون دليل- أنّه لم يسبقني إليه أحد، قلتُ (بدون رقم) في وصفه سارقاً كلام ابن خلدون من مقدّمته: “وكأنّه علمٌ مستنبَطُ النشأة، ولعمري لم أقف على الكلام في منحاه لأحد! ما أدري ألغفلتهم عن ذلك؟ أو لعلهم كتبوا واستوفوا ولم يصل إلينا؟ فالعلوم كثيرة، والحكماء في أمم النوع الإنساني متعددون، وما لم يصل إلينا من العلوم أكثر مما وصل، فأين علوم الفرس التي أمر الفاروق بمحوها عند الفتح؟ وأين علوم الكلدانيين والسريانيين وأهل بابل، وما ظهر عليهم من آثارها ونتائجها؟ وأين علوم القبط ومن قبلهم؟ إنما وصل إلينا علوم أمة واحدة هم أهل يونان خاصة، لكلف المأمون بإخراجها من لغتهم، واقتداره على ذلك بكثرة المترجمين وما بذله من أموال”.

أحسن الله إلينا وإليكم، لعلّ لله حكمة من عدم نشري لهذا الكتاب.

{يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا}

سورة هود (42)

قلتُ ٢٥: 

على العشرين قد زوّدتُ خَمسَا

وقد أزمعتُها مئةً وخَمسَا

وليست عاجزاتٌ قلقلاتي

ولا أنّي فرضتُ اليومَ مَكسَا

ولكنّّي سأختمُها بقولي:

إذا قلقلتُ؛ هل أفهمتُ إنسَا؟

لو كان لديّ وقتٌ أطول لكتبتُ قلقلةً أقصر”

بليز باسكال، بتصرف.

قلتُ ٢٦:

إنّ القلاقل لا محالة صامِدَة

ما بين قلقلةٍ تدومُ وبائدَة

ولربّما كتب الكريمُ قلاقلاً

خُطّت على عَجَلٍ فكانت رائدَة

وإذا هو اقَتَبَس القصائدَ مرةً

فهو الذي علِمَ الجميعُ قصائدَه

“كان علم قوم لم يكن لهم علمٌ أصحُّ منه”

عمر بن الخطاب عن الشعر العربي

قلتُ ٢٧: رغم العلاقة الجيدة التي تجمعني بالورش والصناعيات وكبار المستثمرين فيهما؛ فطالما كانت مشاكل السيارة مؤرقة لي، إذ أن سماع صوت غريب في السيارة كفيل بأن يكدّر مزاجي لكامل اليوم، بينما تأخذ كافة المشاكل الاخرى الشخصية والمهنية والاجتماعية وغيرها موقع الصفر على يسار الرقم الصحيح، أقول هذا وأنا الذي لا تتحرك سيارته الا ألف كيلو في الشهر كحد أقصى!

شاركتُ هذا الحديث مع مجدِّفٍ رائعٍ كان يعاني من الاحتراق الوظيفي، وهو يتصالح مع نفسه في ذلك، فاستلهم لوهلته نظرية السيارة التي جَدَفَها وهو يحرق سيجارته: الموظف كالسيارة، يستمر في أدائه وكفاءته العاليتين في السنين الخمس الاولى من حياته المهنية، ثم يبدأ بعدها في سلسلة طلبات مالية مستمرة ومكلفة ثم لا تُرضيه؛ حتّى لو تلبَّت.

وكلامُهُ دقيقٌ عميق، فالبشر كالسيارات فعلاً، منهم الذي يتحرّك بالدوس على وقوده ومكابحه، ومنهم الكهربائي، ومنهم المهجّن، ومنهم المسيّر عن بعد، ومنهم الذكي الذي يحلّل ويتعلّم ويتصرّف دون الرجوع إلى صانعه أو مالكه -حسب الحال-، ومنهم الصيني والالماني والياباني والامريكي وووو إلخ.

أعلم أن هذه القلقلة تفتقد إلى السياق نوعاً ما، لكنها أيضاً تجعلني استذكر قصة الحكيم المصري الذي التقيتُ به في رحلتي الأخيرة إلى القاهرة، التي سافرتُها مكرهاً مع رهطٍ مباركين، يومها قرّر أحدهم -وهو صديقٌ خبيرٌ بالشؤون المصرية- أن يوقف سائق تاكسي في دوارٍ بالغ الزحمة، ثم صعدنا سيارته.

رحّب بنا السائق ترحيباً حارّاً، وقد كان رجلاً ذا مهابة، ترى وقاره رأي العين، حسن المظهر، أنيق الملبس، شديد بياض الوجه، غزى الشيب حتى حواجبه، أزعُمُ أنّه أدرك أيام الملك فاروق، ثم انطلق وباشر بعكس السير المروري في الدوار بطريقة شجاعة لا تتوقعها وأنت ترى ذلك الهدوء العظيم، وذلك الصمت الحكيم.

أبهرني حقاً، وعلقت صورته في ذهني، لحظتها؛ تغشّاني ذلك الشعور الغريب الذي إن راودني وأنا أرى شخصاً ما؛ تيقّنت أنّني لن أنسى ملامحه، ولهذا لم أتردّد باستفتاح الحديث معه، فسألته وأنا أخشى أن تكون إجابته على طريقة الخضر عليه السلام: كيف لك أن تحافظ على هدوئك الكامل وأنت تقوم بهذه المغامرة الشرسة؟ فضحك وقال: يا بُني، لقد تعلّمت كتابة الشعر في هذه الشوارع، وعلى المرء أن لا يغضب من الازدحام المروري، حتى وإن شتمه أحد، أو أخطأ بحقه أحد، فهذه طبيعة الناس التي يجب أن نتعايش معها لاختلاف ظروفهم.

كان كلامه يسير في طريق الحكمة، وكانت السيارة التي أمامنا تسير في طريقها نحونا متدحرجةً لأن سائقها نسي أن يدوس المكابح، فنبّهت العم الحكيم الذي تجاهلني لأنّني قطعت كلامه، ثم اصطدمت بنا تلك السيارة.

نزل العم الحكيم من سيارته غاضباً غضباً شديداً، واتجه يجري بلياقة بدنية عالية لا تتناسب مع عمره نحو قائد تلك السيارة، لكنّ قائد تلك السيارة هرب؛ إذ تزامن الاصطدام مع تحرّك السير المروري، والعمّ الحكيم ينهره بصوتٍ عالٍ: “هنيئاً لأمك إن لحقتُ بك”، ثم عاد إلى سيارتنا ووجد أعيننا الستة تنظر إليه باحثةً عن تبرير، ثم قال: “أنا لست غاضباً من الازدحام، ولا من الحادث، أنا غاضبٌ من قلة الذوق”، وأضاف بلهجته المحلية: “طب اسمعوا دي قات معايا دلوقتي”، وقال قصيدة لا أذكر إلا مطلعها:

“الذوق لو اتعمل لفار

هيبقى سيّد كل الأنفار”

أبهتنا، وعمله هذا من عجيب الأعمال، وأعمال الناس كثيرةٌ مثيرة ..

{وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ}

سورة المؤمنون (36)

قلتُ ٢٨: مررتُ قبل سنوات بأزمة اقتصادية شبيهة بالكساد العظيم الذي أثّر على معظم الاقتصاديات الوطنية في جميع أنحاء العالم خلال عقد الثلاثينات من القرن الماضي على أعقاب انهيار بورصة وول ستريت عام ١٩٢٩ م، حينها لامني ثقة من الأخوة مستغرباً استمراري بالعمل لمدة طويلة من الزمن -رغم عدم رغبتي أو منفعتي- مع ثلة من الدهماء الذين احترمهم صدقاً خلال ساعات العمل الرسمية في ظل وجود وثيقة سارية تنظِّم العلاقة الوظيفية فيما بيننا، وذلك إعمالاً لنص القاعدة الشهيرة: “الأصل في أشخاص بيئة العمل أنهم من مكونات بيئة العمل، طابعة، باب، مكتب، مدير، كمبيوتر، هاتف، زميل، بطاقة، شجرة، وغيرها؛ حتّى يتبيّن خلاف ذلك”، حيث أن إعمال النصّ أولى من إهماله كما تعلمون، إلّا أنّني استمرّيتُ معهم وقتها لضرورة الحال، ومُقتضى المآل، وخشية القيل والقال، فردّ ذلك الصديق دفوعي بعبارةٍ موجعة أصاب بها مجدافي عندما لمزني بصاحب المعرفة الذي لم يستفِد من معرفته، ومدّعِ التخطيط الذي لا يُنفِّذ، فلم استطع يومها النوم إلّا بعد أن كتبت له هذه الأبيات:

ما كنتُ مثلَ العابرين • في فحصِ أخبارِ السنين

قرآنُها ما كانَ إلّا نزوةً من بعضِ نزواتِ البنين

هلّت ليالي البؤسِ تغزونا فكنّا الغازئين

ولقد يعودُ بي الزمانُ ويستبدَّ بيَ الأنين

يا صاحبي إنِّي زَمَعتُ الهجرَ عنهُمْ من سنين

لو كنتُ أرضى بالمُقامِ بدارهِم فأنا ضغين

وَجَبَ الفراقُ عن الذي أضنوا على قلبي ضنينْ

سَكَتَ الصديقُ لبُرهةٍ .. في دهشةِ الزَمَنِ  الخَوِين!

صاحَ الزمانُ مونوناً -يا ليتَهُ كَتَمَ الونين-:

داهٍ دهاهُ دهرُهُ والدهرُ ما قد دانَ دين

يا سوءَ ما يلقاهُ من تبريرِهِ الحظَّ اللعين

“إنه لشيءٌ حسنٌ أن يرى المرء الجانب المسلّي من إخفاقاته”

فلاديمير اوليانوف، لينين.

قلتُ ٢٩: كنتُ قد نكبتُ صديقاً لي -أيام كورونا- نكبةً عظيمةً بغير قصد، فأرسل لي في الواتس رسالةً طويلةً يعاتبني فيها، فكتبتُ معتذراً:

“كفارسٍ جحجاح، لم يقصد الإجناح، لا يعرف النواح، محصّنٌ باللقاح؛ أطلبك السماح، وأعدك الإصلاح، ياشيخ امواح”

إلا أن صورة العرض اختفت من رقمه المسجّل عندي بعد رسالتي، ولم يعد يظهر بجوار رسائلي التي أرسلها له إلا صحٌّ واحد، لا أعلم حقيقةً لماذا حذف الواتس من جواله !

“وَقد كان حُسْنُ الظَّنِّ بَعض مَذاهِبي
فأدَّبني هذا الزَّمانُ وأهْلُهُ”

الببغاء، شاعر عباسي.

قلتُ ٣٠: 

في ليلةٍ خيّم فيها الأرق على صديقٍ لي، وكان قد اشتكى لي ذلك، فكتبتُ له:

تنامُ وأنتَ مصابٌ كليمْ؟

‏ستسطيع هذا فأنت كريمْ

‏وصبرك يأساً وإلا احتساباً

‏لزومٌ فجرحُ الزمانِ مقيمْ

‏وصبركَ يا صاحُ خيرٌ وإلّا

‏ذرتكَ الرياحُ ذراءَ الهشيمْ

“ما لا يقتلني؛ يجعلني أقوى”

فريدريش نيتشه

قلتُ ٣١: في خمسٍ بقين على آذار (مارس) من السنة السابعة عشرة وألفين للميلاد؛ طردني قاضي أول جلسة قضائية أحضرها بصفتي محامي متدرب من قاعة المحكمة، مقدّراً فضيلته -وله حفظه الله كامل الصلاحية في ذلك- أن قضايا الأحوال الشخصية تستوجب الستر حتى عن الوكيل الشرعي.

وأنا واقفٌ بالباب، والمراجعين يتهافتون على الدائرة القضائية التي طردني قاضيها تهافت الفراش على الشهاب، ولم أكن لأرضى من الغنيمة بالإياب، وعيني ترى العجب العجاب، وعقلي بين بناءٍ وإعراب؛ نزلني الوحي فأصبت القافية، ثم كتبت غزليّتي الوحيدة في ديواني الذي لن أنشره أسوةً بإخوته الحجج الواهية والأليف في فن التجديف وغيرهم، فأنشدت:

أبصرتُ في أحدِ المحاكم مرّةً

غَيْداً تُعِدُّ صحائف الدعواتِ

فرأيتُها تدنو إلى نظّارها

وتُبلِّغُ الأخصام بالجلساتِ

وتقول إنّ العقد بين موكلّي

وموكّل الأخصام عقد أذاةِ

وأنا أرى ذاك الوعيد مزمجراً

أبصرتُ قذلتها على الوجناتِ

فعلمت أنّي لا محالةَ ميّتٌ

فحرابة الجاني تُزيلُ حياتي

لكنني أرجأتُ رفع قضيّتي

حتى تزيدَ قرائنُ الإثباتِ

وسألتُها ما الفرقُ بين أذيّتي

وأذيّة الجانيِّ في السطواتِ؟

هو إن أراد المالَ نوعاً في ملا

أو إن أراد معيّناً بالذاتِ

يسطو على ملّاكها بسلاحه

ويَكِرُّ ثم يَفِرُّ دون فواتِ

وأنا المعذَّبُ في هوى رمشٍ بدى

مجني عليّ وما لنا مدعاةِ

إنْ كُنتِ تنويها بعمدٍ في أذى

فأنا مسامِحُكِ ليوم مماتي

أسقطتُ حقي في النيابةِ كلِّهِ

لكن حقي في هواكِ لآتي

وصدقاً لا أدري لماذا نزل عليّ وحي الغزل يومها؟! خاصةً أن الموقف موقف هجاء، والمُتغزَّل بها شخصية من وحي الخيال ولا وجود لها في أرض الواقع! ربما لأنها ليست أول مرة يجري فيها طردي، إذ حاولتُ قبلها الدخول على رئيس دائرة تحقيق برفقة المحامي الذي أتدرّب لديه فقال صاحب الفضيلة: “واحد منكم يدخل بس”. وبالمناسبة؛ وبتأمل موقف فضيلة رئيس دائرة التحقيق في قضايا الاعتداء على المال في حينه؛ أستطيع التأكيد بأنها كانت أول مرة أتعرّض فيها للذكاء العاطفي في حياتي المهنية.

{أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ}

سورة الشعراء (٢٢٥)

قلتُ ٣٢: لأحد أصدقائي نظرية رائعة اسمها نظريّة الدقّاق، والقاف في هذا المصطلح ليست قافاً بل قيف، والقيف (أو القاف المعقودة) حرفٌ من الحروف الإضافية في الأبجدية العربية، يضاف لترجمة بعض الأحرف الأجنبية تسهيلاً لنطقها نطقاً صحيحاً، مثل ذلك الصوت الأعجمي لحرف القاف الذي ننطقه في كلمات مثل: جوجل (محرك بحث) أو جولد (معدن) وغيرها، وإن كنّا نستخدم حرف الجيم في الغالب ولا نرسم صوت القيف بحرف القاف الفصحى منقوطةً بنقطتين من تحت كما رأى مجمع اللغة الافتراضي.

وحتى لا أستطرد، فإن نظرية الدقّاق هذه كان صديقي قد استلهمها من بعض كبار السن في منطقته التي ينتمي لها في جنوب المملكة، حيث يجنح البعض منهم عند سماع صوت آلة الحفر (الدقّاق) إلى الخروج مباشرةً من المنزل ليستوضح ويتأكد من عدم اعتداء الحافر على حدود ملكيّة أرضه، ثم يظل بعد تسجيل دخوله الواضح لعين الحافر؛ منصتاً ومتجهّماً ومراقباً للعمّال وما يعملون، حتى يفرغوا بسلام ثم يعود إلى طبيعته، في الوقت الذي على الحافر -حتى يفرغ عمّاله- أن يضبط نفسه في مواجهة كبير السن، إذ أن أي تبرير أو نقاش أو حتى أي تصرّف سلبي آخر غير محسوب منه تُجاه كبير السن قد يصعّد من الموضوع إلى درجة خطيرة.

يقول صديقي: إن الإنسان المزاجي بطبيعته يتغير بلا سبب، ويحمّلك مسؤوليات لا شأن لك بها، وهو بذلك في مواجهتك مثل كبير السنّ في مواجهة الحافر عندما يشتغل الدقّاق، وهو عند النساء -أي الدقّاق- أكثر منه عند الرجال، وفي كلٍّ خير.

يقول أيضاً: لا تستوضح الدقّاق، دع الدقّاق يدقّ.

“جليلٌ دقَّ عن صفةِ اللسانِ
يمثِّلُهُ التوهُّمُ للعيانِ”

خالد الكاتب، أديب عبّاسي.

قلتُ ٣٣: ذات مرة كنتُ أتجادف الحديث مع أحد الزملاء، فشكوت له من مدير سابق لي -في تاريخه- كان يتعمَّد وضعي في مواقف محرجة مع الرؤساء الأعلى من كلينا، فجاملني زميلي واصفاً ذلك المدير بالحيوان، إلا أنّني لم أفرح بشتيمته، وأوضحتُ له وجهة نظري حيال الأمر، صحيح أنّهُ قد يرى البعض بأن المدير إنسان يصيب ويخطئ، وقد يرى البعض المتطرف أنّه حيوان، إلا أنّني أعتبر المدير شجرة من حيث الأصل، ينبت لك من حيث لا تحتسب، وقد يثمر، وقد لا يثمر، وقد يكون ثمره طيب، وقد لا يكون ثمره طيب، وقد يشفيك، وقد يمرضك، كل ذلك بأمر الله، فالمدير ليس إله.

اتّفقَ زميلي معي في رأيي، وسألني: هل تعرف نظرية الكريبتو؟ فأجبتُهُ: لا، ثم أبحر ..

يقول زميلي هذا: حينما يشعر الرئيس بالخطر من أحد مرؤوسيه جرّاء ارتفاع قيمة الأخير؛ يقوم الرئيس باتخاذ إجراءات إغراقية لتصحيح قيمة المرؤوس، تماماً كما يحدث في الكريبتو عندما ترتفع قيمة العملة الرقمية بشكل مفاجئ ثم يتم إغراقها بالتداول حتى تعود إلى القيمة التي من المفترض أن تكون عليها.

“إليكَ عنّي لستُ بأخيك، قد كُنتُ أخاكَ قبل أن تَلي”

الصحابي الجليل أبو ذر رضي الله عنه

قلتُ ٣٤:، رفع الآخرين ضرورة حتمية برأيي، ويشمل ذلك السيئين ومن تعتقد أنَّهم لا يستحقون الرفع، إذ ليس شرطاً أن ترفعهم للاحترام، فبإمكانك أن ترفعهم للنظر، ترفعهم للتأمل، ترفعهم كف، أو غير ذلك، اختر ما شئت فخيارات الرفع متنوعة دائماً.

“الدهر يرفع ثمّ يخفض تارةً
وبصرفه الإدبارُ والإقبالُ”

الأحنف العكبري، شاعر مملوكي

قلتُ ٣٥: لعل القريحة بعدها وجدت نفسها في شيء من الغزل ..

“فقلتُ لها إنّي على غيرِ سُخرَةٍ
‏سَأعْشَقُ، كالمرءِ الذي يتطَوَّعُ

‏أما تَرحمي باللهِ صبّا متيَّماً
يَكادُ اشتياقاً قلبُه يَتقطَّعُ”

أنا

قلتُ ٣٦: الموظفون ثلاثة: الأول موظف فنّي، ودور هذا أن ينفذ تعليمات المشرف عليه، مديراً كان ذلك المشرف أو رئيساً أو أيّاً كان مسمّاه، والثاني موظّف مشرف، ودور هذا أن ينقل تعليمات المشرف الأعلى منه إلى الموظف الذي تحت إشرافه، والثالث علي الغامدي، يتأمل.

ومّما تأمّل الغامدي هذا مع عشيرته الأقربون؛ نظرية الساعة الرملية التي أثارها صديقه الاتش ار في يوم سبت عند تصنيفه لكفاءات الموظّفين في المنظمات التي تزاملوا العمل بها، يقول: إن الاحتياج إلى الجدارات الفنيّة بالنسبة لمنصب الوظيفة مثل تدرج مجسم الساعة الرملية على افتراض ثنائية ابعاده، كلّما ازداد مستوى الوظيفة؛ كلّما قلّت الحاجة إلى الجدارات الفنيّة، حتى نصل إلى العنق الذي في المنتصف، حيث لا جدارة فنيّة لذلك الموظّف إلّا تسريب الرمل إلى الأسفل، وذلك في تقديره هو منزلة المنصب التنفيذي (C-level وما في حكمه)، وبعد ذلك؛ يعود الاحتياج إلى الجدارات الفنيّة كلّما ارتفعنا، وصولاً إلى أعلى مراحل الكفاءة الفنيّة في قمة الساعة، وهي جدارات فنيّة نوعية ومميّزة ليست إلا عند القيادات من مستوى صنّاع السياسات العامة والقرارات الاستراتيجية، والجدارات الفنيّة المطلوبة التي عند هؤلاء في الشقّ الأعلى؛ ليست كأختها التي لدى الشقّ الأسفل.

أقول: والحقيقة أنّهُ لمحزنٌ تقييم الأسفل لجدارة الأعلى رغم قصور إدراك من هم أعلى منهم؛ فضلاً عنهم.

أقول أيضاً: والحديث عن الأبعاد والمجسمات، ثَمَّ القياس على العلوم الطبيعية عموماً؛ شيِّق، ويذكّرني بنظرية التطوّر الكامل التي كنتُ جدفتها في سنةٍ مضت، تقول النظرية: إن دورة نمو الموظف الناجح في حياته المهنية مثل دورة نمو الحشرات، تتألف من أربع مراحل: ‏يكون في البداية بيضة تتطلّب الاحتضان، ثم يفقس فيكون يرقة، ثم يمر بانسلاخات متتالية بداخل جسد مديره حتى يصبح شرنقةً ليس بالحشرة وليس بالدودة، وأخيراً يكتمل نموه فينبثق فيصبح حشرة كاملة بحول الله وقوته.

أقولُ قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

{وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ}

سورة آل عمران (139)

قلتُ ٣٧: لا أصفني بالشاعر، ولا أراني إلّا ضعيفَ تصويرٍ وقليلَ إحساسٍ يُجيد نظم القوافي ووزن البيوت.

تفقدت ديواني مؤخراً بنظرة محلّل البيانات، لأعلم كم كتبت؟ وفيم كتبت؟ ولم كتبت؟ فوجدتُني أُكثر النشيد في الحالات البائسة، ثم اكتشفت أنَّ هذه طريقتي للفضفضة بدلاً من كبِّ العشاء، والحقَّ أنّها أعجبتني نفسي حينما أدركت أن عقلي الباطن هو من اتخذ هذا القرار بداهةً وليس عقلي الواعي .. أنشدت مرّة:

من بعدِ ما تَهَدَّما • أرجو بناءً أقوَمَا

ما أقبحَ الدنيا إذا مثلي لغيري أُلزِمَا

يا واوَ عمرٍو ما هَذَى هاذٍ عليكَ وإنَّمَا

حلّت عليّ مصيبتين من المصائِبِ مثلَمَا

حلّت على أهلِ الفِراقِ البعدَ والدَمعَ دَمَا

ولقد أردتُ الأَجْرَ لكنّي أصبتُ المأثَمَا

عجزاً رميتُ فأخطأَ الهَدَفَ المحدَّدَ ما انرَمَى

وظللتُ أجْحَدُ رَمْيَتِي وأكُرُّ ما رامٍ رَمَى

حتّى تخلَّعَتِ اليدَينِ وخِلتُها قد تَسلَمَا

يا لهفَ نفسي هل إذا دَبَّرتُ أمراً أُبرِمَا؟

اللهُ يعلمُ كم بنيتُ من البيوتِ فَهُدِّمَا

{وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ}

سورة هود (10)

قلتُ ٣٨: لطالما كان وجود مالك في المدينة أمر ثانوي بالنسبة لي، فأنا أفتي دائماً سواء كان مالك موجود أم لا.

المهم .. كنتُ البارحة في حديث مهني ماتع للغاية مع مجموعة من الشباب الرائعين الذين ألتقيهم دورياً، جميعهم حصلوا على وظائف مرموقة مؤخراً، عددهم بي (٤)، وأنا الوحيد بينهم الذي لم يترمّق.

الشاهد .. لاحظت على دوريّتنا البارحة أن نغمة الاحتراق الوظيفي التي لا يخلوا اجتماع لنا دون أن تكون لحن الخلفية (Background Music) فيه؛ كانت غائبة عن نقاشنا على خلاف المعتاد، وجاءت محلها نغمة استقراء الشؤون، وتحليل المصالح، وكيفية خداع المسؤولين والقادة بالتعرض لضغط العمل، وما يحسن استخدامه من حيل لتقليل الأعمال التي تُناط بهم -حمانا الله وإياكم من مَنْيَطَةِ أصحاب الصلاحية الزائدة عن الحاجة-، ثُمَّ تطوّرَ النقاش حتّى فجَّر أحدهم تصريحاً مستغرباً منه، يقول: لا مناص من فضح القدر للموظف المتميز وإظهار كفاءته لقادة جهته، مهما تخبَّأ أو قلل الجهود، فهذا قدره.

شدّني التصريح، ثم أخبرت ذلك الأحد بنظرية الإقط، قلتُ له: لتحصل على رضا صاحب الصلاحية؛ اصنع إقطاً (الإقط: كعكة حامضة أساسها الحليب، ومن أسمائها: المضير) ثم قدّمها له، واطلب منه أن يضع أصابعه كلّها على الكعكة مبرّراً تصرّفك بأن تلك الضغطة من أصابعه هي كُلُّ ما ينقصك لتقدّم كعكتك إلى الآخرين، أَشعِر صاحب الصلاحية بأنّك في حاجة أصابعه كلّها وأن بصماته فحسب هي جرعة غير كافية، اجعله يعتقد بأن الكعكة لن تكون شهيّة وقابلة للتقديم إلا برسمة أصابعه، حتّى وإن كانت تلك الأصابع منفِّرٌ لدى البعض عن تناول الكعكة؛ لكن المهم أن أصابع صاحب الصلاحية سلّمه الله مطبوعة فيها.

{وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ}

سورة البقرة (14)

قلتُ ٣٩: حدثني ثقة من الأخوة قال: كنتُ أصلّي الظهر بأخٍ مسلم من الجالية البنقالية، وكنتُ قد وصلتُ يومها بالليلة التي سبقته، فجهرتُ في صلاتي بالفاتحة وانا أصلِّي الظهر، فضربني أخي البنقالي بكوعه وقال: “مدير، صلاة ظهر مافيه قرقر”.

{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}

سورة الحجرات (13)

قلتُ ٤٠: هجوت زميلاً لي ذات مرة فقلت له:

“أمامي رأيتُ فراقَ الطرق
أبن لي فأيَّهُمُ ألتحق؟

رأيتك ترخي ستار الرئيس
وتلحق كذبته ما لحق

أما تستحي أنت أو ترعوي؟
عليك من الله ما تستحق”

أنا

قلتُ ٤١: فضائل الله عليّ تترى، زُرافاتٍ ووحدانا، أتذكّر منها ذلك الإنجاز العظيم الذي حقّقته قبل سنوات؛ وقتما تمكّنت بفضل الله وتوفيقه من أن أقطع الجزيرة العربية على سيارتي من قلب نجد إلى قلب الحجاز بعد رحلة دامت لأيام، إذ جاء ذلك بعد أن واجهت العديد من العوائق والصعوبات، استحضر منها ما حلّ بي مع سائق الأكسنت الذي ظلّ ملتصقاً بسيارتي في المسار الأوسط وهو مستمرٌ نحوي في الإضاءة المتقطّعة بأنوار السيارة العالية (التكشيح) نحوي.

لقد كان موقفاً صعباً بحق، الساعة متأخرة من الليل، والطريق فارغ، وصاحب الأكسنت يصرّ على أن يتجاوزني من المسار الأوسط.

كنتُ مصطدماً بالإجراءات النظامية؛ فالمادة (٥٠) من لائحة نظام المرور تلزمني بسلوك المسار الأيمن في حال كان هناك منتفع من الطريق يرغب بتجاوزي، والمسار الذي على اليسار فارغ، كما أن الحكم الوارد في النص النظامي أطلق حكم الالتزام بالمسار الأيمن ولم يقيّده بمجرّد “فتح مجال” كما هو مُتعارف عليه بين الناس، والحالة تتطلّب إجراء ارتجالي دون اللجوء لاستشارة قانوني متخصص، لذا قرّرتُ التصدّي لتقدير المصلحة العامة؛ فضربتُ الفرامل (تسمية أعجمية شائعة للمكابح) في وجهه، ثم قرّر بعدها أن يعمل بالعرف ويتجاوز من المجال المفتوح.

وحتّى لا استطرد كثيراً في ما واجهته من صعوبات خلال رحلة تحقيق ذلك المنجز، ولأنني قائد رحلة تغيير، وملهم لا أنفك ألهم أتباعي؛ أقمتُ حفلاً بمناسبة تحقيق ذلك المكسب السريع في قطع الجزيرة العربية من نجد إلى الحجاز، وفيه كرّمت شركاء النجاح في الرحلة التي قُدتُها، وهم: شركة هوندا التي اشتريت منها سيارتي، محطة ساسكو التي عبّأت منها وقودي، والفنانة فدوى المالكي التي أطربني غناؤها الفصيح.

* من نافلة القول أن الاحتفال بالمنجزات الوهمية ليس غايةً في حد ذاته، فكقائد Fresh؛ عليك أن تضع نصب عينيك هدف التقليل من مجهودات من سبقك، وبالأخص شركاء النجاح السابقين، وكذلك هدف المبالغة في تقدير قيمة منجزاتك الوهمية على النحو الذي يمكّنك من رسم صورة مغلوطة -بناءً على وقائع صحيحة- عن مدى أهميّتك.

لذا استغلّيت الفرصة يومها في الحفل الذي أقمت؛ ثم ألقيتُ خطبةً رنّانةً حقّقتُ فيها مكتسباتٍ أربع:

الأولى أنّني جعلتُ الحضور يعتقدون أن كبار مسؤولي شركة هوندا ومحطة ساسكو في جيب ثوبي العلوي، مع أنّني في الواقع كنتُ أرتدي ثوباً إماراتيّاً ليس له جيبٌ علويٌّ من الأساس.

والثانيةُ أنّني أثنيتُ على الفنانة فدوى المالكي ثناءً شديداً، وذلك لغرض النكاية بشريك النجاح السابق محمد عبده، مع أن الأخير نارٌ على علم، وهو فنان العرب.

والثالثةُ أنّني أنهيتُ الحفل بصورة نمطية مرسومة في أذهان الجميع: أنا رائع، أنا أحقق المكاسب السريعة مع كثرة العوائق، من سبقني في السفر براً من الرياض إلى جدة كان دلخاً، ولم يكن ليتمكّن أحدٌ من أن يفعلها كما فعلتُها.

والرابعةُ أنّني تجنّبتُ الحديث تماماً عن قائد السيارة الذي كان خلفي وكان يريد منّي أن أكون طُعماً لساهر، لأنّه كان يجيد التعامل معي وأنا لا أُجيد التعامل معه، ولأن وقتها أيضاً كان قد تملّكني شعور زائف بأنني في مواجهة أسدٍ دخيلٍ يعتدي على منطقتي، ما دفعني لاتخاذ قرار المواجهة معه، إذ لا يجتمع أسدين في غابة واحدة، لكنّني خسرتُ ذلك النزاع.

{وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ}

سورة النور (7)

قلتُ ٤٢: 

فررتُ من اللائي أردنَ أذيّةً

فلم أدرِ أنّي بالمفرّةِ قَد ألظى

وهوَّن من كَربِي سُلوِّي بعُزلتي

ولو أنَّهُ لا مال عندي ولا حظّا

وكنتُ إذا ما الصبرُ صُيِّرَ جَزعَةً

أقولُ لعقلي: السؤالُ له محظى

فساءلتُ في دهري سؤالاً أطلتُهُ

مئونَ من الأيامِ مُتَّصِلُ اللفظا

فأضحت شؤونُ الناسِ عندي كأنّها

مُكرَّرُ أحداثٍ أهُمُّ به لحظا

فها أنا لا أهجو زماني وأَمدحُ

ففي بعضهِ لينٌ وفيهِ كَذا الغلظا

هو العقلُ مُشقٍ لو وُكِلتَ لأمره

ولله تدبيرٌ، ونحنُ لنا الوعظا

“سأستأنف الكفاح، وسيسعدني أن أكافح، وسأبعث بالكفاح بعثاً آخر، فأزخر بقوى جديدة”

دوستويفسكي

قلتُ ٤٣: يروى عن ابن الحمارس (اسطورة عربية قديمة عن رجل بالغ الشجاعة) أنّه نزل بوادٍ تعيشه الجن، ورأى شيهمة – وهي الأنثى من القنافذ – فقتلها، ثم هاتَفَهُ هاتِفٌ من الجنّ وتهاجى هو وابن الحمارس – قصائد المهاجاة محفوظة في كتب الأدب – حتى بلغ الأمر شيخ من شيوخ الجن فقال: لا والله لا نرى قتل إنسان مثل هذا ثابت القلب ماضي العزيمة، ثم أنشد ذلك الشيخ:

يا ابن الحمارس قد نزلت بلادنا

فأصبت منها مشرباً ومناما

فبدأتنا ظلماً بعقر لقوحنا

وأسأت لما أن نطقت كلاما

فاعمد لأمر الرشد واجتنب الردى

إنا نرى لك حرمة وذماما

واغرم لصاحبنا لقوحاً متبعاً

فلقد أصبت بما فعلت أثاما 

انتهى الأمر بينه وبين الجن بالصلح، ورضي ابن الحمارس أن يدفع اللقوح المتبع على اشتراط أن لا تعتبره الجن غرامةً منه.

المهم .. استفد من القصة ما شئت من الدروس؛ فهذا أمرك، لكنّي لا أرى من داعٍ لأبي حمارس حتى يفعل فعلته تلك !!

“الطريقة الوحيدة للقيام بعمل عظيم هي أن تحب ما تفعله”

ستيف جوبز

قلتُ ٤٤: أحد أهم التكتيكات التي استعملها مع الحرفيين من العمال لتحفيزهم على العمل هو ما يُطلق عليه ضمن مصادر الالتزام في القانون المدني بـ”الإرادة المنفردة”، عِده؛ رغِّبه؛ إثنِ على جودة عمله؛ أخبره عن نواياك في استعماله دورياً بينما في حقيقة الأمر ستعطيه يوميته ثم ستلتقي به في الجنة إن شاء الله.

جدير بالذكر أن هذا التكتيك لا ينجح على إطلاقه، أذكر مرة أنني استعملت الحرفي الماهر والمفاوض الشرس “كمال حسين” صاحب الجنسية الباكستانية في مشروع كان نطاق عمله: “صيانة تمديدات السباكة”، إلا أن أسعار الكميات التي وضعها في عرضه الفني المرافق لكراسة الشروط والمواصفات كانت مرتفعه، الأمر الذي اضطرني إلى التفاوض معه للتخفيض، مستعملاً سلاح الدراسة المقارنة لأسعار السوق بين المناطق، إلا أنّه فجرّها في وجهي: “كلّو نفر هنا رياض فلوس زيادة، مافي سيم سيم جدة”.

بُهِتُّ ساعتها ودفعتُ خاضعاً دون تخفيض، لذا أنصحك: كن شرساً مثل الحرفي الماهر كمال، لا تكن مراوغاً مثلي.

“التفاوض هو فن تقسيم الكعكة بطريقة ينصرف بعدها كل من الحضور معتقداََ أنه حصل على الجزء الأكبر”

جورج برنارد شو

قلتُ ٤٥: رثيت رباطي الصليبي عندما علمت بأنّه عضو غير حيوي بداخل الجسم ويلزم استبداله إذا أُصيب -ليت الصليبيين كلهم يصابون إلّا أنت يا رباطي- فقلت:

“رُحتُ أرجو لعبةً في هواءٍ فَفَلَت
لَيت شِعري كورتي أيّ شيءٍ عطبت!

يا رباطي إنني أرتجي منك نَبَت
قد مللت الصبر حتى فيك روحي زَهدَت”

أنا

قلتُ ٤٦: إنَّ المتأمل لسلوكيات الناس -وهذا غاية علم التجديف الذي انتهى أخيرًا إلى الجدول الدوري للشخصيات على غرار الجدول الدوري للعناصر في علم الكيمياء-؛ يجد أن الدوافع لسلوكيات الناس عادلة، واستنتاج الشخص لموازينه الخاصة به خاضع للاجتهاد الصِرف، ومحدود بما يهبه الله من عقل لذلك الشخص، لهذا ترى أحيانًا من يقود سيارته بسرعة الطريق الذي يسير فيه ويلتزم المسار الأيسر دون أن يتيح فرصة لمن بعده من قادة السيارات، ظنًّا منه أنه عادل في قراره إذا لم يتح الفرصة لغيره ممن يرغبون بمخالفة النظام وتجاوز السرعة المحددة للطريق، فهو بذلك قويٌّ أمين، لا يأبه للضغوط التي تحول بينه وبين رؤية من يتعمد مخالفة النظام العام، مع أن النظام العام أجبره بأن يتيح الفرصة لغيره حتى لو رغب قائد السيارة التي خلفه أن يسابق الطيارات في السماء، وهذا مثال، وتصنيف عدالات الناس غير العادلة في ذلك كثير، منها: 

١- العدالة الظلمية: وفيها جاء المثل المشهور “الشر يعم والخير يخص”.

٢- العدالة الحذرة: وهذه تشمل من يتملّص عن مسؤولياته لغرض الحذر والسلامة، فتجده لا يقف مع المظلوم، ولا يشهد في وجه الظالم، ولا يكلّف نفسه حتى عناء المحاولة، وغير ذلك من السلوكيات الحذرة.

٣- العدالة السائدة: وهذه تشمل أولئك الذين يقومون بتصرفات خاطئة في حق غيرهم لا لسببٍ غير أنها شائعة بين الناس.

٤- العدالة الجاهلة: وهذه تشمل كل من يتخذ تصرفًا بحجة أنه تصرف عادل وهو لا يملك المعرفة الكافية التي تؤهله على الحكم بعدالة التصرفات.

٥- عدالة أهل ما بين السدّين: وهذه مشهورة في الدهماء، علت مراتبهم أو دَنَت، وتشمل كل التصرفات الغبية التي قد نلحظها في بعض الرعية، وهؤلاء -أي أهل ما بين السدّين- قال الله تعالى فيهم أنَّهم {لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا}.

وعمومًا، فإن مسلك المجدفين في استنتاج موازينهم الخاصة للعدالة هو الاقتداء بيوم الثلاثاء، التزام؛ لكنه في المنتصف تمامًا، تتعذّر محبته، وتتعذّر كذلك عداوته.

{وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى}

سورة طه (17)

قلتُ ٤٧: آخٍ وأوّاه على ما حدَّثني به أحد الأخوة، وهو ثقة من الثقات، من مصر الحبيبة، تربطني به سنوات من الحب في الله والثقة المتبادلة مُذ درسنا الابتدائية معًا.

طردته شركته التي كان يعمل فيها في بلده تعسّفًا، وقد كان للشركة رئيسٌ عجيبٌ على حد قَصَصِه، يقول صديقي عنه: “لطالما كان ذلك الرئيس محبًا لتاريخ المملكة العربية السعودية حماها الله، ومعجبًا بدخول الموحِّد رحمه الله مع أربعين رجلًا إلى الرياض، وتوحيده للمملكة العظيمة بعد ذلك، فهو -أي رئيسه- يؤمن إيمانًا تامًا في قرارة نفسه بأن أربعين موظفًا يستطيعون أن يصنعوا التغيير في أي منشأة مهما كان حجمها وعدد موظفيها، لكنّ تنظيره الرائع هذا أبعد ما يكون عن واقعه التعيس، فهو إذا اختار أربعين ليصطحبهم معه في رحلة تغيير؛ لا يختارهم لكفاءتهم أو لجودتهم، أو لصلابة إيمانهم بالتغيير، بل يختارهم فقط لأنّهم يُسمعونه ما يحب، ولا يردون له طلبًا”. 

قد يبدو رأي صديقي اعتياديًا ومملًا، بل قد يصفه البعض بأنّه حجة معلّبة حريٌّ بها أن تُسطّر في كتاب الحجج الواهية الذي لن يرى النور، فالذي لا يحب رئيسه سيتهمه مباشرة بأنّه يُدني المتملقين، ويبعد الكفاءات المخلصين، ومقياس العدالة متغيّر كما مهّدنا في القلقلة التي سبقت هذه، إلّا أنّني أتبنّى رأيه في رئيسه ذاك، وإن كنت لا أعرف الرئيس؛ ولا سمعت من طرفٍ ثانٍ عنه، إذ تكفيني دلائل الأفعال، لأنّها أشدُّ تثبيتًا من شهادات الرجال.

ولعلّي أقُصُّ عليكم هذا القَصَص:

لهذا الرئيس مستشارين اثنين*، {إِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا}، {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ۚ}، لا تَكَد تؤمن بمشروعٍ عندهم إلّا وسخروا منك، ولا عجب؛ {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ}، وقد كان ذلك الرئيس لا يقبل أن يسمع حتى من الأربعين الذين يتملّقونه من حيث الأصل إلا بعد أن يوافقوا هذين الاثنين، فيا ليت شعري ما الذي حلّ بصاحبي.

* نصبتهما دون اعتبار للمقام النحوي لأنّهما لا يستحقان الرفع.

لقد جاهد صديقي هذه الجماعة المسيطرة التي ألِفَتِ النعمةَ إيلاف قريش، “إِۦلَٰفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ”، وظل في جهادٍ دائمٍ برفقة مبادئه في مواجهتهم تحت إمرة الاثنين المستشارين، {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى}، وتمكّن من الانفراد بالرئيس، فأبرأ ذمته وأخبره بأن مواردَ عدّةً قد أُهريقت، ومشاريعَ جمةً قد أُغتيلت، ولا منجى للشركة إلا بالسماع من الجميع، أو على الأقل من الثُلَّةِ الأربعين، الذي هم على التغيير قادرين، فشكره الرئيس على أمانته، وأثنى فيه على شجاعته، بل قال له فيما معناه: “أنت الذي رفعت رأس شركتنا بين الشركات؛ فلماذا لا تكون منزلتك فوق كل المنزلات؟!”، ثم أقسم له الرئيس بالله -وهو في منزل القوي الذي لا يحتاج إلى القسم- أن الخير آت، ووعدَ صديقي ومنَّاه {وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا}.

عاد صديقي إلى مكتبه متحمّسًا ليستكمل ما أوقفه عليه الاثنين من مشاريع، لكنّه وجد أحد زملائهِ من فريق الأربعين المُغيّرين سعيدًا وهو يقرأ بريدًا إلكترونيًا وصله من الرئيس يشكر فيه فريق المُغيّرين خاصَّته بأساميهم إلّا بضع -والبضع بين الثلاثة والتسعة-، تخيّلوا أنَّهُ أكرمهم جميعاً بالجاه والمال إلّا أولئك البضع، وصديقي من البضع!

كانت الرسالة صريحة، {هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ}، ومن لم أشكره ببريدي هذا فعليه السلام.

طُرِدَ حينها صديقي من وظيفته كما توقَّعتَ يا عزيزي القارئ، ولا أملك لا أنا ولا أنت إلا أن نسأل الله له العون والعوض.

“لَعَمرُكَ ما في الأَرضِ ضيقٌ عَلى اِمرئٍ
سَرى راغِبًا أَو راهِبًا وَهوَ يَعقِلُ”

الشنفرى

قلتُ ٤٨:

يا أدعج العينين كيف فتنتني

وسحرتني حتى فقدتُ تعقُّلي

أمسيتُ أُنشِدُ فيكَ شعرًا كلّما

شاهدتُ طيفَكَ في الكرا يتسلَّلِ

يرنو إليَّ لماكَ في سلطانِهِ

وكأنّهُ ملكٌ يضُمُّ ويعزِلِ

بجلالةٍ ومهابةٍ وترَفُعٍ

جَمَعتْ إليها كل خَلْقٍ أفضلِ

فالخدُّ أنعمُ من ملامِسِ ريشةٍ

والوجه أقمرُ من بدورٍ كُمَّلِ

والعقل قد أعطاكَ ربّي موهِبًا

وكذاك روحُكَ من عليٍّ في علِي

وأنا أحاذِرُ من وقوعِي في الردى

والعقلُ يردَعُ والمضامِرُ تأمَلِ

لا تُكثِرِ الغيباتِ عنّي إنّني

اللهُ يعلمُ أنْ فُؤادِي مُثْكَلِ

“آثرت ألّا أقتبس هذه المرة”

المُقلقِل.

قلتُ ٤٩: الإنسان ملكٌ مشاع، ربما يوفقك الله لا لأجلك؛ بل لأجل أمٍّ تدعو لك، أو أبٌ يرجو صلاحك، أو حبيبٌ صالحٌ يسألُ اللهَ رعايتك ..

“مُهَلَّلَـةٌ   شِيـبُ   الوُجُـوهِ  كأنَّـها
قِـدَاحٌ  بأيـدي  ياسِـرٍ  تَتَقَلْقَـلُ”

الشنفرى

قلتُ ٥٠: الآن وبعد أن أصلحت تلك الفيوزات الملتمسة في مشاعري وأصبحت أحاول الغزل؛ لن أبخل عليكم وإن كنت ألاحظ ارتباط القانون بالأدب عندي مع أن القانون -بطبيعته الصارمة- قليل أدب:

“ما بالُ عقدُ هواكِ يُجحِفُ حقّنا
في أن نعدِّلَ فيهِ بِضعَ مَوَادِ

هو عقدُ إذعان ٍ وفيهِ قبولنا
للعقدِ تسليماً إلى الأصفادِ”

أنا

قلتُ ٥١: اثناء لمّي لشمل بنات صدري القلاقل؛ لاحظت لغة عدائية مع الرياض، أعرفها تماماً لكنّي لم أخل ظهورها علناً لا سيما وأنّها هي والازدحام المروري هما الأمرين الوحيدين الذين يُفقدانني إيقاعي في هذه الحياة، لذا وجب التبرير.

وحرصاً على استثمار وقتكم في القراءة، فإن الأسباب التسعة الأولى هي أنّني أكره الرياض، ياخي ما أحبها، أما العاشرة: فهي نقصان العمر.

يأخذ منك العمل في الرياض ٩ ساعات ثمانية منها رسمية وواحدة تذهب لمجاملة مدير -سيعطيك تقييم جيد في نهاية المطاف- أو لإجابة على اتصال، ويصاحب هذه التسع؛ ثلاث ساعات تقضيها في الشارع، نصف يومك ومعه ٩٧.٥٪؜ من لياقتك الذهنية يذهبان لعملك، وباقي اليوم تقضيه بنصيب زكاة.

لن تقرأ، لن تمارس الرياضة، ستأكل، ستأكل، ستأكل، ثلاثاً ثم بعدها ستنام، ولن يحافظ على علاقتك الحقيقية بالحياة إلّا رصيد إجازاتك.

وإحقاقاً للحق؛ فإنني -على خلاف سائر الناس- أحب الرياض في شهر رمضان فقط، تقل الزحمة، وتقل ساعات العمل، ومديرك لا يزال مصر على تقييمك جيد، وذهنك يبلغ ذروته بعد الإفطار، وتشعر بأنك كائن حي فعلاً ولديك وافر من الوقت.

“آه ما أرق الرياض”

البدر

قلتُ ٥٢: قبل أشهر، كُنت مع ثُلتّي الصالحة نشرب ما كتبه الله من كافيين، وبعضنا -هداه الله- يتجرّع ما ابتلاه الله به من نيكوتين، ولذا كانت طاولتنا خارجية، وكان مكاني منها المجاور للزجاج والمطلّ على داخلية المَشرِب عن يمينه، فهو إذاً عن يساري ..

المهم، في معمعة حديثنا، التفتُ إلى يساري، ورأيتُ طفلاً يلعب بسعادة غامرة، أظنّه لم يطلب علم المدرسة بعد، فابتسمت له، فقرّر أصلحه الله وحفظه لوالديه أن يفتح يديه ويجري نحوي ليحظنني، وأبوه يصوّره من خلفه وهو متّجه إليّ، تشنّج وجهي وأتى برسم غريب، هذا التشجيع الغريب من صاحب الأمر، وهذا الشغف العالي من الطفل، والاندفاع السريع، والحماسة غير المناسبة، هي مظاهرة مألوفة عندي، لكنّني انتظر حركة الطفل الأخيرة، ما صنيعُه؟ 

استمر حفظه الله بالتسارع إلى أن اصطدم بالزجاج، وكان الحادث مروعاً، حيث اصطدم بجسده كاملاً في الزجاج من جبينه حتى أخمص قدمه، فخشيت أنّه أصيب، لكن الله سلّم، أثار قلاقلي يومها، لكنّني آثرت السكوت، ولله حكمته.

في سياقٍ آخر، وقبل أسبوعين، وأنا أقضي إجازتي في كوخٍ ناءٍ في جبال القوقاز، أتنقّل بين آثار السوفييت، وآكل طعام الروس، وأدرس سيكيولوجيات الشعوب السلافية، وتحت خطر اعتداء الدببة والخنازير البرية في أي لحظة، والأخيرة مشاعرها مألوفة عندي كذلك؛ كان هناك حشرة طائرة غريبة تعتزم اختراق زجاج الكوخ بحثاً عن الدفء أو الغذاء في ظني، طيرانها كان غريباً، فهي تعود بضع أمتار إلى الخلف ثم تنطلق مباشرةً وبسرعة إلى زجاج الكوخ ثم تصطدم به ثم تسقط على الأرض، ثم تعاود الكرة مرةً بعد مرة.

شدّني سلوكها، فجلستُ مواجهاً ذلك الزجاج، حتى أُراقب سلوكها جيداً، أو لعلّ الله يفصل بيننا فتنصرف تلك الحشرة بعدما تراني، لكنّها عزمت فعلاً على اختراق الزجاج، إذ استمرت على حالها عشر دقائق تقريباً، حتى طال سقوطها في المرة الأخيرة، فخرجت من كوخي لاطمئن عليها، عندما اتجهت لها؛ رأيتها ترفرف أجنحتها في نزع روحٍ واضح، فأرحتها من غمّها، والزجاجُ ذو شجون.

ربما أخبرتكم في قلقلة سابقة عن كوني قائد fresh، وأنّني أحب التباهي بمنجزاتي، وهو جانب سأركز عليه أكثر في قلاقلي إن شاء الله زكاةً للعلم ..

الشاهد، هذا الحائط الشفّاف المسمّى بالزجاج، يشبه كثيراً -من الناحية المعنوية- ما استعمله من أدوات مع القادة التنفيذيين المُأتمرين بأمري، والساعين لرضاي طمعاً في أن أعطيهم الأُعطيات، وإن أكثرت عليهم الإهانات، أو طلبت منهم ارتكاب المخالفات .. 

أتباعي من القادة، وما أدراك ما أتباعي، لعلّي أذكر لكم بعض فئاتهم، والعدد الفعلي لتلك الفئات سأبقيه سراً:

أولّهم: الرزين، يقول ابن حزم رحمه الله: “أما الوقارُ، ووضعُ الكلامِ في موضعه، والتوسطُ في تدبير المَعيشة، ومُسايَرةُ الناسِ بالمُسالَمة؛ فهذه الأخلاقُ تُسمى الرزانةُ، وهي ضِدُّ السُّخف”، وفي فريقي أحب أن يكون منهم رزيناً، واحدٌ فقط، أكرمه، وأجعل له سلطةً خاصة كي لا يبلغني أحد قبل أن يبلغه، فيستحي منه كل من يفكّر في التصعيد إليّ؛ احتراماً له، فأكون قد قضيت على المُصعّدين بسيف الخجل وبقيت مرتاحاً في مكاني.

ثانيهم: غير المهمين، وهؤلاء لا أضع لهم عدداً محدداً، فعندي حالياً على سبيل المثال رئيسين تنفيذيين اثنين، الأول هو الرئيس التنفيذي لقبول دعوات الاجتماعات، والثاني هو الرئيس التنفيذي لمصعدي الخاص، هؤلاء الاثنين الحمقى المطيعين، أجعلهم دائماً يقفون بجوار الأشخاص المهمين، فيعتقدان أنهما مهمين مثلهم، ومن ثم أُسيّر من خلالهم كثيراً من شؤوني بأريحية ودون نزاع، فالأمين المجتهد للّجنة الشكلية التي أنشأتها -على سبيل المثال- عليه أن يخوض تسلسلاً طويلاً حتى أنظر في طلبه انعقاد اللجنة، وسيفقد مع مرور الوقت اجتهاده وارتاح منه، وأكون حققت بإنشائي اللجنة مغانمي التي أردت، ولا غرمت المغارم، بل أنّني أقضي بهم شؤوناً خاصة لا علاقة لها بالعمل أحياناً، ولا تشتمل هذه الفئة على الأشخاص الذين يعلمون أنّهم غير مهمين ولكنّهم يقفون بجوار أشخاص مهمين، فقد كنت مثلهم يوماً ما.

ثالثهم: البصمجي، وهذا الشخص بطبيعته فاشل في شؤون المشاريع، حتى في مشروع البلوت تجده يفرح ويعلن ثم ينسى أن يفرش مشروعه على الأرض! لكنّه رائع جداً عند طلبي إيّاه توقيع أي مستند، فسيتأول المسؤولية على غيره ثم يعطيني بصمته المباركة لا حرمني الله أنامله.

رابعهم: الدبلوماسي الجاهل، وهو شخص يلزم أن يكون جيداً جداً في إيجاد المخارج، قد يكون جيداً من الناحية الفنية أو قد لا يكون، لكنّ سلامته دائماً تهمّه أكثر من هلاك خصمه، فهو لا يقدم على أي تكليف من تكاليف الشجاعة كما سار المثل، وبالتالي يريحني في أنه لا يصطنع المشاكل مع زملائه من أتباعي القادة.

خامسهم: رافض التغيير، وهو شخص منطقي باعتبار أنّني شخصياً وضعت القواعد، وأنا ولي نعمته، فلماذا يسمع مقترحات التغيير؟ سيلبس مباشرةً مشلح رعاية المصالح العامة أو عباءة الحرص، ثم يفتح دولاب التهم المعلّبة، ويخرج اتهاماً بحداثة السن أو آخراً بضعف المرونة، ثم يسلمه مناولةً إلى صاحب الاقتراح، ويُطوى قيد اقتراحه أبد الدهر، ولا حاجة لي لأحامي عنه أو أدفع عنه اتهام الخوف من انكشاف حقيقته.

كثيرة هي الفئات، إلا أن المشترك بين جميع أتباعي من القادة بأنّهم لا يختفي مجدهم أبداً عندما يغادروون فريقي، فهم لم يصنعوا مجداً من الأساس.

{سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ۖ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ۚ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا}

سورة الكهف (22)

قلتُ ٥٣: نعم سأعترف .. يوم أن سمعت بمصطلح أشباه الموصلات للمرة الأولى؛ سعُدَت قريحتي التجديفية جداً بذلك، إذ اعتبرته وصفاً ملائماً لأولئك الذين يسكنون المنطقة الرمادية الواسعة التي تقبع بين منطقة الدهماء من غير أصحاب الفكر وبين منطقة الحكماء من أصحاب الأفكار الموصلة، لكن أشباه الموصلات بعالمها الرهيب قد شغفتني حُبّاً، وصار غلطاً وصف أولئك الرماديين بهذا الوصف، فهم وإن كانوا أشباه موصلات لغةً؛ إلا أنّهم ليسوا كذلك اصطلاحاً.

“إِنّي لَأَفتَحُ عَيني حينَ أَفتَحُها
عَلى كَثيرٍ وَلَكِن لا أَرى أَحَدا”

دعبل الخزاعي

قلتُ ٥٤: توقّفت سابقاً -لفترة مؤقتة- عن بناء النظريات، واتجهت نحو التقعيد للمسائل، وذلك من منطلق مسؤوليتي كمجدف عام في إقرار المبادئ التوجيهية العامة للمجدّفين وطلبة التجديف، وسنّ ما يلزم من معايير وأطر وأدلة استرشادية لتحقيق الغايات التي لأجلها اخترتُني مجدِّفاً عاماً، وفيها -أي فترة الانقطاع- وضعتُ “القواعد التجديفية السبع” التي تمثّل المبادئ الأساسية، دونكم هي:

١- الحدس برهان، حاله حال النظر العيان.

٢- قيادةُ الرديّة؛ مفسدةٌ للرعيّة.

٣- بناء العلاقات؛ أولى من إحراز الشهادات.

٤- النمو الطُفيلي كتصرّف؛ أجدى من العجز والتوقّف.

٥- مسلك الشاطر، هو التصدّي للمخاطر.

٦- النكول عن البقاء؛ يُسقِط كلفة الابتداء.

٧- العنجهة والبلطجات؛ تدرأ أصحاب التلوّنات.

هذا والله أعلى وأعلم، فإن أصبت؛ فمن الله، وإن أخطأت؛ فمن الشيطان، أنا مالي دخل.

{وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِى فَٱعْتَزِلُونِ}

سورة الدخان (21)

قلتُ ٥٥: لا أكذب الله ولا أكذبكم، تالله أن هجاء الرياض قد استحوذ ديواني استحواذ الظلام لساعات الليل، ولولاه لربما لم أحاول شعراً أبداً، هذه مثلاً استلهمتها -صيغة ألطف من السرقة- من عمرو بن كلثوم، أذكر أنّني قلتها فور وصولي مخرج ١ في الدائري الشمالي قادماً من جدة:

“ألف كيلٍ يا ضغينا
تُخرج الداء الدفينا

إنني شرُّ الثلاثة
أم عمرٍو فاصبنينا

ما دعى الداعي رياضاً
دون أن تلقى لَعِينَا”

أنا

قلتُ ٥٦: يا أخي القارئ إنَّكَ لستَ نبيّاً، ولم يولّك الله شيء من أمر الناس، كما أن الناس ليسوا عيالك حتى تكون أباهم.

الأصل في الناس الدهمائية، ولو كانوا شخصيات في لعبة فيديو؛ فهم شخصيات مبرمجة لا يمكنك اللعب بهم (Non-player characters)، هل يُعقل أن تحرص على تعديل سلوك الوحش الذي تواجهه في أحد المراحل حتى يكون شخصيةً لطيفةً تساعدك في تختيم اللعبة؟

حاول أن تفهم دوره مرة او مرتين فقط، بعدها -جازَ عندك أو لم يجُز- عليك أن تبذل جهدك لتنتقل إلى المرحلة التالية، أمّا تكرار المحاولة لتغيير دوره فهذا هدر جهد، وإن غلوتَ ثُمّ تدخّلت في برمجيّته؛ فأنت تقع في تجاوز قانوني مجرّم دولياً بحقّ صانع تلك الشخصية في ملكيته الفكرية، ومن نفس المنطلق؛ فالأولى عليك عند تعاملك مع الناس -لو شئت أن تغيّر أحدهم- أن تنصحه مرة أو مرتين فقط، كل ما جاوز ذلك هو تدخّل مشين في شؤونه، وأنت لست نبيّاً ولا وليّاً ولا أباً له!

قادني لهذه النتيجة سهولتها باعتبارها حكمةً صرفةً في التعامل مع الناس، كان ذلك في سياق محاولة مني للوصول إلى الحكمة التي عرّفها ابن القيم رحمه الله بأنّها التصرف الصحيح مع الشخص الصحيح في المكان الصحيح والزمان الصحيح، لكنّني وجدتُ أنَّ تعريفه رحمه الله لا ينفع إلّا أن يكون حكماً نهائياً يُطلق على سلوكيات شخصٍ ما بعد النظر إلى مجمل سلوكياته في فترة زمنية من فترات حياته وبناءً على مبادئ أخلاقية مُتفق عليها، كما أن تطبيق هذا التعريف -في حال كنت تسعى إلى أن تكون حكيماً- مقيّد بعقول الناس وأفهامهم ومبادئهم التي تتباين بتباين مفاهيمهم لما هو صحيح وما هو خاطئ، والأصل في الناس الدهمائية، ولو كانوا شخصيات في لعبة فيديو؛ فهم شخصيات مبرمجة لا يمكنك اللعب بهم (Non-player characters) … إلخ.

حاولت إضفاء شرعية دينية على النتيجة التي توصّلت إليها (وضع حد نصيحتين اثنتين كحد أعلى، تصدران لمصلحة شخص واحد، بشأن سلوك سلبي واحد، والشخص يصر على سلوكه السلبي دون مسوّغ مقبول)، فبدأت القياس الشرعي مؤملاً الحصول من اجتهادي على أجر واحد على الأقل، ثم بحثت شمولها في الأحاديث الشريفة عن اللين وفضائله، فوجدت النتيجة مستقيمة مع تلك الأحاديث الشريفة.

لم يتوقف تجديفي عند ذلك الحل السهل، فلو كان سهلاً فعلاً لوصل إليه غيري بتجديفهم في بحور العلم، لذا وكإجراء إضافي بغرض التحقّق من الجودة؛ راقبت تصرّفات الناس -وهذا أمرٌ أبرعُ فيه أيّما براعة-، ووجدته سلوكاً عاماً عند كبار السن ممن جاوزوا الستين، إذ رأيتهم يتسلّون بموجوداتهم، ويعفون كثيراً عن الناس، ولا يتدخّلون في شؤون الآخرين على النحو المحظور وفق منظوري، بل إنّهم يحثّون الناس على ارتكاب الأخطاء أحياناً، ولعل ذلك مرجعه العلم المسبق بأن المعرفة هي نتيجة حتمية لارتكاب الخطأ، والحكمة هي نتيجة حتمية لتراكم المعارف، وأنّ عاقبة الخطأ لا تحتم وقوع الضرر على المخطئ بالضرورة، كما أن عدم الخطأ لا يحمي عن وقوع الضرر على المخطئ بالضرورة، وإلّا لكان الأنبياء المعصومين عن الخطأ أكثر الناس أماناً في الدنيا؛ لا أكثرهم تضرّراً.

ثم مضى استطرادي في التأمل والتجديف حتى سألت نفسي: هل أنا شايب؟ أم أن الشيبان بلغوا ذلك بفطرتهم وما يقتضيه حكم عمرهم وأنا بلغتها ببحثي؟ ثم استعذت بالله من شيطاني، ونفثت ثلاثاً عن يساري، ونحّيت مجدافي، وعدت إلى بر الدهماء معتمداً على حركة الرياح.

“يا ابن ادم ترا من يطلب الشر حزين .. الزعل يخلف النظرة ويتقضّ نون .. هدّ نفسك ولا تزعل وتحترّ موت”

هميل بن شرف، شاعر عرضة غامدي.

قلتُ ٥٧: أرى -والرأي لي- أن أجعل كتابي “مذكرات قائد Fresh” لا يرى النور أسوةً بإخوته: الحجج الواهية، الأليف في فن التجديف، وغيرها من كتبي التي لم أفصح عنها بعد، إذ سأنشر قطوفاً مختارةً منه في سلسلة القلاقل هذه كلّما حال الحول، وذلك تزكيةً لعلمي، واستعاضةً عن حرق كافة أوراقي ومن ثم أكون مكشوفاً عند الكلانات المنافسة لكلاني فأنا الآن NO MORE قائد Fresh !

وممّا أتزكَّى بِهِ عليكم في هذه القلقلات المبروكات؛ مبدأ قيادي مهم كنتُ وضعتُهُ ضمن باب “المنقيّات، في بناء الكلانات”، وهو مبدأ “فصل السلطات الثلاث”، وتلك السلطات؛ بيانها نحو ما يتلو:

١- السلطة الظاهرة المعيّنة على المناصب القيادية في المؤسسة التي أقودها، وهؤلاء أسهبتُ شرحاً لأصنافهم في قلقلةٍ سابقة، هم الصف الأول من القيادات التابعة لي، وهم سلطة تشريعية بصلاحيات محددة في إطار إصدار القرارات غير الملزمة.

٢- السلطة النفعية التي أوظّفها في أغراض معيّنة، وهم لا ينتمون إلى فريقي كركن أساسي، أحياناً أستقطبهم من كلانات منافسة وأحياناً من أخرى حليفة، لكن الغالب أنّني أستغلّ فئة مجتهدة اجتهاداً غير مبارك من المكان الجديد الذي أشدُّ رحلي إليه، والأخيرين هم المفضلين عندي لأنّهم يأتونك بوضوح ويخبرونك أنّهم سلع مغرية ظنّاً منهم أن النمو بطريقة طفيلية هي الطريقة المثالية للنمو، لسان حالهم قول ابن أبي الحديد: “بالله ضع قدميك فوق محاجري • فلقد قنعت من الوصال بذاكا”، وهؤلاء عادةً ما أضعهم ضمن قيادات الصف الثاني والثالث، أو اتّخذهم قادة لملفات حساسة أوظّف فيها اجتهادهم المفيد لما أرى، وهم عندي سلطة تنفيذية يمكنني الاستغناء عنها في أي لحظة لانعدام القيمة الاسمية والدفترية لكل فرد منهم.

٣- السلطة السرية الخاصة، وهؤلاء هم عصاي التي أتكئ عليها وأهشّ بهم على غنمي ولي فيهم مآرب أخرى، بطانتي وأعواني الحقيقيين إن صحّ القول، وهم عندي سلطة قضائية تحكم بشريعتي.

{وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ}

سورة طه (79)

قلتُ ٥٨: يفنى وفاء الخلق إلا من ثلاث، منها روبوتٌ صالحٌ يُذعن لك.

شاركت بعض قلاقلي على ChatGPT وطلبته أن يحاكي صياغتها ثم يخرج لي بقلقلةٍ مُبتدعةٍ منه هو، أي الآله المتعلمة المسمّاه تقنيتُها بالذكاء الاصطناعي، إذ هممتُ إحساناً بقاعدة بياناته حتى تتحسّن إجاباته للناس، وظنّاً منّي أنّ ChatGPT لن يكون QlaqilGPT ، ففاضت لي سليقته الآلية بهذه القلقلة الملفّقة:

“إنّي نقّبتُ في دواخل النيّات، فبان لي أنّ أكثر الناس لا يخطئون الطريق، بل يخطئون تعريف الوصول؛ فمنهم من جعل الغاية تبريرًا، ومنهم من اتّخذ المبدأ زينة، فإذا تعارض الزِّينَةُ والمنفعة انكسر المبدأ عند أول اختبار واقعي. والإنسان –في جوهره– لا يطلب الحق كما يطلب الطمأنينة، فإن اجتمعا سعد، وإن افترقا آثر الطمأنينة ولو كانت كاذبة، ولهذا ترى من يُحسن الظنّ بنفسه أكثر ممّا يُحسن العمل، ويستدلّ على صدقه بكثرة نواياه لا بسلامة أفعاله. وأشدّ الناس بؤسًا من ظنّ أنّه تجاوز نفسه، وهو لم يفعل سوى أنّه علّق عليها ستارًا كثيفًا من اللغة، يختبئ خلفه كلّما اقترب الحساب. فالنفس لا تُهذَّب بالخطاب، ولا تُصلَح بالنيّة، وإنّما تُكسَر أوّلًا، ثم تُعاد صياغتها على مهل؛ فمن لم يُكسَر لم يُفهم، ومن لم يُفهم لم يُصلَح”.

“قبّحها الله من آلة، ومن أين لها هذه الجرأة حتى تدّعي تقليدي!”

المُقلقِل

قلتُ ٥٩:

الفارسُ الشهمُ الجواد • كم قد أفادَ ولا استفاد

هو كالضياءِ إذا طغت • بالأرضِ ألوانُ السواد

 ما كانَ طاوَعَ أمرَهُم • فالحُرُّ يأبى أن يُقاد

حالوا عليهِ بوهنِهِم • وعليهِمُ صعُبَ المُراد

يتظاهرون بالاتقاءِ • وهم سُرا أهل الفساد

يا ليتَهُم فهِموا لهُ • إذ كان قد فَهِمَ الجَماد

فالعقلُ يحكم أمرَهُ • والقلبُ دوماً في انقياد

سيّان إن هو قد تسيّدَ • أو تعرّضَ لاضطهاد

قد كانَ يُنشِدُ دائماً • “يا سوءَ ما لقيَ الفؤاد”

{لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ}

سورة المائدة (30)

قلتُ: ٦٠: 

لم يصبني الأرق في حياتي -ولله الحمد- إلا أياماً قليلة، سببها انتهاء بطاريات الساعة البيولوجية في ظنّي، وإلّا فإن عملية دخولي إلى النوم -لا عملية الشروع وحدها- إنّما تستغرق منّي ما لا يُذكر من الزمان، لذا فإنّني حاولتُ شعراً في كل مرار الأرق المريرة، أذكر منها محاولتي عندنا أصابني الأرق لأول مرة في الرياض قبل تسع سنوات تقريباً -وعدائي الغامض مع الرياض يتجلّى هنا في اتهامي لها رغم براءتِها-:

أجد الصعوبة في المنام كأنني

أسري ببحرٍ لا تُنال شواطئه

أجد الرياض كخندقٍ دون المنى

فيه اللهائب مهلكات واطئه

أجد الشكائم في اصطباري تارةً

كالشرِّ لا تخفى عليّ خواطئه

لكنني في عزلتي مستبشرٌ

بالخير لو ثقلت عليّ بواطئه

“أَرِقتُ وَما هَذا السُهادُ المُؤَرِّقُ
وَما بِيَ مِن سُقمٍ وَما بِيَ مَعشَقُ”

الأعشى

أضف تعليق