قلتُ ٦١: مبدئياً؛ الأسطورة علي الغامدي محل هذه القلقلة ليس أنا، لذا إن كنت تعتقد أنّني نرجسياً فتوقّعك في محلّه، ولكن هذا ليس الدليل المناسب.
المهم، ذات مرة قبل عقدين أو ما يقاربها من الزمان، كنتُ حاضراً لقاءً لأهل قريتي، ولاحظتُ أحد الشيبان الحاضرين -رحمه الله وغفر له- قد استلطفني ساعتئذ، فاستغللتُ الفرصة لأسأله السؤال الذي قد حيّرني كثيراً عن سبب الحجم الكبير لقريتنا مقارنةً بالقرى المجاورة رغم وجود مساحة تكفي قرية كاملة في منطقة فاصلة بين قريتنا وبين أحد القرى المجاورة على وجه التعيين، وقد شرح لي أسباب ذلك جغرافياً وديموغرافياً، إلى أن وصل إلى قصة الأسطورة علي الغامدي، سميّي.
أخذ الشايب يروي عن ذلك الأسطورة، لقد كان شيخاً لقريتنا قبل أكثر من قرنين، وكان أسلاف القريتين -وهم بنو عمومة- مختلفين على الحدود فيما بينهما، لذا اتفقوا على أن يقتتل رجال القريتين جميعاً، ومن ثم يتوقف القتال عند أول روحٍ تُزهَق، ويكون موقع وفاة تلك الروح؛ هو الحد الفاصل بين القريتين، سواءً توفّت في الحدود المُتنازع عليها أو حتى في داخل الحدود المُتفق عليها.
قرّر الأسطورة جمع رجال قريتنا وأخبرهم بخطته: سيصطف رجال القريتين للقتال، وعند البداية؛ سينطلق الأسطورة فوراً وبسرعته القصوى نحو عمق القرية الأخرى، طمعاً في إغراء دهماء خصومه من القرية الأخرى في اللحاق به طمعاً منهم لنيل شرف شيخ القرية، ثم إذا نالوا منه؛ يكون هو قد وسّع مراعي قريتنا وإقطاعيّاتها.
رفض أعيان قريتنا ذلك، إلّا أن الأسطورة قد أقسم على رأيه، متحجّجاً بقرب منيّته، وموضحاً للمنافع الكبيرة من أن تكون تلك الحدود الجديدة هي حمى يرعى فيها أهل القرية أنعامهم، وأن تكون خطاً دفاعياً أولاً ضد الغزاة، وقد رتّب انتقالاً سلميّاً للسلطة؛ يضمن عدم ضياع مكاسب القتال.
بدأ القتال، وانطلق الأسطورة بكامل جرأته لتنفيذ خطته، ونجح نجاحاً كبيراً، إذ رضيت القرية الأخرى بقتل الأسطورة كانتصار معنوي ورمزي مقابل ما خسرته من أراضيها، علاوةً على خسارتها كامل المنطقة المتنازع عليها، وهذه من العجيبات.
رحم الله الراوي، ورحم الله الأسطورة على فرض وجوده، لطالما اعتبرتُ قصته هذه من الإسرائيليات، لا أصدّقها ولا أكذّبها، إنّما استأنسُ بها فقط عندما يأتي عيداً ما على يدي نتيجةً لتصرّفٍ جريءٍ أكونُ قد اتّخذتُه دون اعتبارٍ للعواقب، ومن ثم أحمّل سميّي الأسطورة مسؤولية توريث الجين المتهوّر.
“وَمِنَ الرِجال مَعالِمٌ وَمَجاهِلٌ
أبو الحسن التهامي
وَمِنَ النُجومِ غَوامِضٌ وَدراري”
أضف تعليق